فاطمة إبراهيم
يصل عدد الصناديق الخاصة فى مصر إلى نحو 6700 صندوق، وتوصف أنها كيانات موازية، لا تخضع لرقابة الموازنة العامة ورقابة البرلمان، فما قصة هذه الصناديق؟ ومن أين تحصل مواردها؟ ولماذا لا يتم ضمها للموازنة العامة للدولة تطبيقا لمبدأ وحدة الموازنة؟ ومتى نشأت ولأى أغراض تم إنشاؤها؟
الصناديق الخاصة فى مصر، هى أوعية موازية فى الوزارات أو الهيئات العامة والجامعات، وتؤسس بقرارات جمهورية، لتستقبل حصيلة الخدمات والدمغات والغرامات، وغير ذلك من الموارد لتحسين الخدمات التى تقدمها تلك الجهات، وهذه الحصيلة لا تدخل إلى خزينة الدولة، ولا علاقة للموازنة العامة بها، وبالتالى لا يناقشها البرلمان، ولكنها تخضع لرقابة الجهاز المركزى للمحاسبات.
وتستخدم موارد هذه الصناديق والحسابات الخاصة لتمويل عجز الهيئات الموازنية التقليدية بدلاً من استخدامها فى الأغراض المخصصة سواء كانت خدمية أو إنتاجية، ولا يوجد أساس قانونى أو مؤسسى أو مالى كاف لتلك الصناديق، بالإضافة إلى ذلك لا تدخل موارد هذه الصناديق ضمن ميزانية الدولة.
وصف المصادر الصناديق الخاصة بالغموض لأنها تخضع للسرية، وتعمل ككيانات موازية لا تلتزم بمبدأ “شمولية الموازنة”، مما يصعب رقابة البرلمان عليها.
كانت النشأة الرسمية لـ “الصناديق الخاصة” فى عهد الرئيس الراحل أنور السادات من خلال القانون رقم (53) لسنة 1973 بشأن الموازنة العامة للدولة، فقد أباح هذا القانون إنشاء “صناديق خاصة” و”وحدات ذات طابع خاص” فى المادة (20) منه التى تقضى بأنه يجوز بقرار من رئيس الجمهورية إنشاء صناديق تخصص لها موارد معينة لاستخدامات محددة، ويعد للصندوق موازنة خاصة خارج الموازنة العامة للدولة، وتتبع الجهات الإدارية كالجهاز الإدارى، الإدارة المحلية، الهيئات العامة الخدمية والاقتصادية، وغيرها من الأشخاص الاعتبارية العامة.
أما فى عهد الرئيس الراحل حسنى مبارك، فقد انتشرت تلك الصناديق فى كل الوزارات والمحافظات والشركات القابضة؛ ففى هذه المرحلة صدرت سلسلة من القوانين تعطى الحق للعديد من الجهات فى إنشاء صناديق خاصة، مثل قانون التعليم رقم (139) لسنة 1981، وقانون الجامعات رقم (49) لسنة 1992.
وأكدت المصادر لـ”الإيكونوميست المصرية” أن إصلاح آليات عمل هذه الصناديق وضمها للموازنة العامة (مع الحفاظ على حقوق العاملين) يعد ضرورياً لتحويلها إلى رافد تنموى حقيقى، حيث يؤدى ذلك إلى زيادة موارد الدولة، ومن ثم خفض عجز الموازنة العامة.
فى حين يرى البعض أن ضم الصناديق الخاصة للموازنة صعب إلى حد ما لأنها تضم عددًا كبيرًا من العاملين الذين جرى توظيفهم بعقود مؤقتة، وحل تلك الصناديق يعنى فصلهم من العمل أو توظيفهم بعقود دائمة فى الجهات الإدارية التى تشملها الموازنة مباشرة، وهو ما قد يكلف الحكومة مبالغ أعلى من موارد الصندوق نفسه غير أن ذلك لا ينطبق على كافة الصناديق الخاصة.
وتحصل الحكومة على 15% من إيرادات الصناديق الخاصة، ويمكنها الاطلاع على بياناتها المالية، فضلًا عن مراقبة الجهاز المركزى للمحاسبات عليها، كما أن قانون المالية العامة الموحد حين صدر للمرة الأولى عام 2022 حظر تأسيس صناديق خاصة جديدة إلا بقانون.
الدكتور إيهاب الدسوقى أستاذ الاقتصاد بأكاديمية السادات رأى أن الصناديق الخاصة هى إحدى مشكلات الموازنة العامة فى مصر، حيث تحرم الموازنة العامة من إيرادات كبيرة، والرقابة عليها ضعيفة عن الرقابة على الموازنة العامة، مطالبا بضرورة ضم الصناديق الخاصة للموازنة العامة للدولة لأن ذلك يقلل عجز الموازنة بنسبة كبيرة.
وأضاف أن أغلب أموال الصناديق الخاصة يتم إنفاقها فى صورة مكافآت لأعضاء الهيئات أو الوزارات التابعة لها هذه الصناديق، ووجود صناديق خاصة يعنى عدم تطبيق مبدأ وحدة الموازنة.
من جهته، قال وليد جاب الله الخبير الاقتصادى إنه يجب التفرقة بين الصناديق الخاصة والصناديق الاجتماعية، فهذه الأخيرة ينشئها العاملون من أجل تقديم الرعاية الاجتماعية والصحية لهم فهذه ذات طابع، وليست المقصودة، ولا تؤثر بأى شكل على الموازنة العامة للدولة، ولكن الصناديق الخاصة التى تباشر نشاطا اقتصاديا معينا، أو تحصل على رسوم من المواطنين فهى تقوم بمهام تتفاوت أهميتها من صندوق لآخر، وتتحمل تكاليف رواتب العاملين بها، وتشير التقديرات إلى أن حجم هذه الصناديق والحسابات الخاصة يصل إلى نحو 126 مليار جنيه.
وتحصل هذه الصناديق الخاصة على مواردها المالية من المواطنين وبطرق عديدة ومختلفة، وهذه الإيرادات الضخمة لا تُضم للموزانة العامة للدولة وإنما تذهب إلى هذه الصناديق الخاصة.
وأضاف جاب الله أن هذه الصناديق لها عمل إيجابى بما تقوم به من مهام، وأنها تخفف العبء على المالية العامة للدولة، وتقوم بأعمال بتكلفة أقل لو قامت بها الدولة غير أنها تخرج عن أحكام القوانين التى تنظم نشاط الدولة، لأن الكثير منها يحكمه قوانين خاصة، كما أنها تتعارض نسبيا مع وحدة الموازنة العامة للدولة، التى تقتصى دخول كافة الإيردات العامة إلى الموازنة العامة، ويتم خروج كافة المصروفات دفعة واحدة، مشيرا إلى أن ذلك يتم بصورة مرنة وليست جامدة.
وقال الخبير الاقتصادى إن هذه الصناديق تخضع للرقابة بحسب قانون إنشاء الصندوق، سواء لرقابة الجهاز المركزى للمحاسبات، أو لمراقب مالى.
من جهته، قال الدكتور كريم العمدة خبير الاقتصاد الدولى إن الصناديق الخاصة بها الكثير من السرية، ودخل جزء منها الموازنة العامة للدولة فيما يزال هناك جزء كبير خارجها، مشيرا إلى أن ضم هذه الصناديق إلى الموازنة يتطلب تحقيق الشفافية والحوكمة لإحكام الرقابة على هذه الصناديق.
وأضاف العمدة أن هناك عوائق تعرقل ضم هذه الصناديق من بينها أن عمال هذه الصناديق يكونون بعقود مؤقتة، وأجور منخفضة وضم هذه الصناديق للموازنة يعنى فصلهم من العمل أو توظيفهم بعقود دائمة فى الجهات الإدارية التى تشملها الموازنة مباشرة، وهو ما لا ترغب فيه الحكومة لأنها قد تتحمل أجورا أعلى من ميزانية الصندوق نفسه، كما أن هناك بعض الصناديق يصعب ضمها، مثل الصندوق التابع لوزارة الآثار يتبع منظمة اليونيسيف، وينفق على آثار النوبة ومعبد أبو سمبل.
وأضاف أن هذا يعنى أن الصناديق ليس لها حالة واحدة، وإنما كل صندوق وله وضع مختلف، واتخاذ قرار يتطلب معلومات تفصيلية، فمثلا وزارة التنمية المحلية يتبعها العديد من الصناديق الخاصة، التى تفرض رسوما أو إتاوات للإنفاق على نشاط معين ليس له مخصصات من الموازنة العامة للدولة، فضم الصندوق مثلا يضير هذا النشاط، لافتا إلى أن ضم الصناديق موضوع معقد، ويشوبه بعض الغموض والسرية.
ولفت العمدة إلى أن ضم هذه الصناديق يزيد من إيرادات الدولة، ويقلل من عجز الموازنة العام للدولة بشرط ألا يترتب عليها مزيد من النفقات التى تتحملها الدولة، ويحقق جزءا كبيرا من الشفافية والحوكمة، وكانت أحد مطالب صندوق النقد الدولى.




