حمدى زكريا
المنطقة العربية اليوم تقف فى معادلة صعبة:
أطماع إسرائيل من جهة، وتطلعات إيران الإقليمية من جهة أخرى، وفى الخلفية اعتماد أمنى وسياسى على قوى دولية كبرى.
لكن الحقيقة التى يجب الاعتراف بها بوضوح هى أن المشكلة ليست فقط فى قوة الآخرين.. بل فى ضعف البنية الاستراتيجية العربية المشتركة.
فالعالم لا يحترم الفراغ.
وأى منطقة لا تبنى قوة ذاتية كافية لحماية مصالحها، ستصبح بطبيعتها ساحة نفوذ للقوى الأخرى.
إذا أراد العرب أن يصبحوا قادرين على حماية أنفسهم دون الاعتماد على الآخرين، فهناك أربعة مسارات واقعية يجب العمل عليها.
أولاً: بناء كتلة اقتصادية عربية حقيقية
القوة السياسية تبدأ من الاقتصاد.
الدول العربية تمتلك أحد أكبر احتياطيات الطاقة فى العالم، وسوقاً تزيد عن 400 مليون إنسان.
لكن هذه القوة ما زالت مجزأة.
بناء سوق عربية حقيقية وتكامل صناعى وغذائى يمكن أن يحول المنطقة إلى واحدة من أكبر الكتل الاقتصادية فى العالم، وهو ما يغير موازين القوة تلقائياً.
ثانياً: إنشاء منظومة دفاع عربية مشتركة
ليس المقصود حرباً مع أحد، بل القدرة على الردع الذاتى.
العرب ينفقون سنوياً عشرات المليارات على السلاح، لكن معظم هذا الإنفاق يذهب إلى شراء منظومات جاهزة من الخارج دون بناء قاعدة صناعية عسكرية حقيقية.
إنشاء مجمع صناعى دفاعى عربى سيغير هذه المعادلة خلال عقد واحد فقط.
ثالثاً: الاستقلال الاستراتيجى فى الغذاء والطاقة
لا يمكن لأى أمة أن تكون مستقلة سياسياً وهى تعتمد على الآخرين فى غذائها أو فى التكنولوجيا الأساسية.
الاستثمار فى الزراعة الحديثة، والتكنولوجيا، والطاقة المتجددة يجب أن يصبح أولوية أمن قومى وليس مجرد ملف اقتصادى.
رابعاً: صياغة مشروع عربى واقعى
أكبر مشكلة فى العالم العربى ليست نقص الموارد.. بل نقص المشروع المشترك.
كل القوى الكبرى فى العالم تمتلك رؤية واضحة لدورها فى النظام الدولى.
أما العرب فما زالوا فى كثير من الأحيان يتعاملون مع الأحداث بردود أفعال.
الحل ليس فى الدخول فى صراع مع الجميع، بل فى بناء قوة توازن تجعل أى طرف يفكر مرتين قبل محاولة فرض نفوذه على المنطقة.
الخلاصة بسيطة لكنها صعبة التنفيذ:
لا يمكن لأى أمة أن تحمى نفسها بالاعتماد الدائم على الآخرين.
الأمن الحقيقى يبدأ عندما تمتلك الأمة
اقتصاداً قوياً.. وقراراً مستقلاً.. وقدرة على الردع.




