الإيكونوميست المصرية
تحويل زيت الطعام المستعمل لوقود الطائرات

تحويل زيت الطعام المستعمل لوقود الطائرات

ولاء جمال

تخطو مصر خطوة جديدة ومختلفة فى طريق الطاقة النظيفة، عبر تحويل زيت الطعام المستعمل إلى وقود مستدام للطائرات فى تجربة غير مسبوقة تهدف إلى خفض الانبعاثات الكربونية، وتقليل الاستيراد، وفتح مجالات استثمار وصناعة جديدة، بما يعزز التحول للاقتصاد الأخضر ويضع مصر فى موقع متقدم إقليميا.
أكد الدكتور جمال القليوبى، أستاذ هندسة البترول والطاقة، أن اتجاه مصر لتحويل زيت الطعام المستعمل إلى وقود للطائرات يعد خطوة مهمة وغير مسبوقة فى مسار التحول نحو الطاقة النظيفة والاقتصاد منخفض الكربون، مشيرا إلى أن هذا المشروع يمثل نقلة نوعية فى قطاع الطاقة المصرى، ويحمل أبعادا اقتصادية وبيئية وإستراتيجية على المستويين المحلى والدولى.
وأوضح د. القليوبى أن مصر بدأت بالفعل اتخاذ خطوات عملية لتنفيذ هذا المشروع خلال الفترة المقبلة من خلال بروتوكولات تعاون بين قطاع البترول المصرى وشركات عالمية متخصصة فى تصنيع الوقود المستدام للطائرات (SAF)، من بينها شركات أوروبية وأمريكية رائدة فى هذا المجال ويهدف هذا التوجه إلى إنتاج وقود طيران أخضر أو منخفض الانبعاثات الكربونية، بما يتماشى مع المعايير البيئية العالمية.
وأشار إلى أن وقود الطائرات المستدام يعد حاليا من أفضل أنواع الوقود المستخدمة فى قطاع الطيران، نظرا لانخفاض انبعاثاته الكربونية مقارنة بالوقود التقليدى ويتم إنتاج هذا الوقود من مواد حيوية أو من النفايات مثل الزيوت والدهون المستخدمة، ويمكن مزجه مع وقود الطائرات التقليدى بنسب مختلفة قد تصل فى بعض الأحيان إلى 50%، وفقا للمعايير المعتمدة دوليا وتختلف نسب المزج حسب التكنولوجيا المستخدمة ونوعية المواد الخام.
وأضاف أن مصادر الوقود الأخضر متعددة، وهو ما يمنح هذا المشروع مرونة كبيرة فى التنفيذ ويعد تجميع الدهون والزيوت المستخدمة، وعلى رأسها زيت الطعام المستعمل، من أهم المصادر الأساسية لإنتاج هذا الوقود، إلى جانب ذلك، يمكن الاعتماد على الزيوت النباتية، والمخلفات الزراعية، وبعض المواد الصلبة، فضلا عن الغازات الناتجة عن عمليات إنتاج البترول أو الكتلة الحيوية، كل هذه المصادر تدخل ضمن منظومة إنتاج الوقود المستدام للطائرات.
وأوضح أستاذ هندسة البترول والطاقة أن الهدف الرئيسى من إدخال هذا النوع من الوقود هو تقليل المحتوى الكربونى فى قطاع الطيران، الذى يعد من أكثر القطاعات مساهمة فى الانبعاثات، فكلما زادت نسبة الوقود المستدام فى مزيج الوقود المستخدم، انخفضت انبعاثات ثانى أكسيد الكربون وقد تصل نسبة خفض الانبعاثات إلى نحو 60% مقارنة بالوقود التقليدى، وهو ما يعد إنجازا بيئيا كبيرا حتى لو كانت نسبة الوقود الأخضر فى المزيج 30% أو 40% أو حتى 10% فى المراحل الأولى.
وأكد أن هذا التوجه يتماشى مع السياسات الأوروبية والدولية، حيث اعتمد الاتحاد الأوروبى بشكل أساسى على الزيوت والدهون المستخدمة كمصدر رئيسى لإنتاج وقود الطائرات المستدام، كما أن العديد من شركات الطيران العالمية بدأت بالفعل فى استخدام هذا الوقود بنسب مرتفعة، وبعضها يستهدف الوصول إلى استخدامه بنسبة 100% خلال السنوات المقبلة وتخطط شركات عالمية كبرى لأن يكون الوقود المستدام جزءًا أساسيًا من تشغيل طائراتها بحلول عامى 2030 و2035.
وأشار د. القليوبى إلى أن مصر تتمتع بميزة تنافسية كبيرة فى هذا المجال مقارنة بالعديد من دول المنطقة، حيث إن حجم الاستهلاك المحلى من الزيوت النباتية وزيوت الطعام يعد من الأعلى فى المنطقة العربية والشرق الأوسط، نظرا لعدد السكان الكبير وأنماط الاستهلاك وهذا يوفر كميات ضخمة من زيت الطعام المستعمل يمكن إعادة تدويرها واستغلالها اقتصاديا بدلا من التخلص منها بطرق ضارة بالبيئة.
وحول استخدام هذا الوقود، أوضح أن الاتفاقيات الموقعة من قبل قطاع البترول المصرى، ممثلا فى الشركة القابضة للبتروكيماويات، تنص على استخدام وقود الطائرات المستدام فى مرحلة أولى داخل بعض خطوط الطيران المصرية، وليس جميعها، كمرحلة تجريبية وتمهيدية ومن المخطط التوسع التدريجى فى استخدامه خلال السنوات الخمس المقبلة، مع إمكانية التصدير للخارج فى مراحل لاحقة.
وفى هذا الإطار، أشار أستاذ هندسة البترول والطاقة إلى توقيع اتفاقية مع شركة Honeywell UOP العالمية لإنتاج وقود الطائرات المستدام فى الإسكندرية باستخدام زيت الطهى المستعمل كمادة خام، بطاقة إنتاجية تقدر بنحو 120 ألف طن سنويا، مع استهداف خفض انبعاثات تصل إلى نحو 400 ألف طن من ثانى أكسيد الكربون سنويا.
كما لفت إلى وجود استثمار قطرى ضخم يتراوح بين 200 و500 مليون دولار لإنشاء منشأة لإنتاج وقود الطائرات المستدام فى منطقة العين السخنة ومن المخطط أن تنتج المرحلة الأولى نحو 200 ألف طن سنويا، على أن يرتفع الإنتاج إلى 600 ألف طن سنويا فى المراحل اللاحقة، وقد تم بالفعل توقيع عقد توريد طويل الأجل مع شركة Shell العالمية لتسويق هذا الإنتاج، ما يعكس الثقة الدولية فى المشروع وفى قدرات مصر الإنتاجية.
وأكد د. القليوبى أن مشروع تحويل زيت الطعام المستعمل إلى وقود للطائرات ليس مجرد مشروع طاقة؛ بل هو مشروع تنموى متكامل، يعزز مكانة مصر كمركز إقليمى للطاقة المستدامة، ويوفر فرص عمل، ويجذب استثمارات أجنبية، ويُسهم فى حماية البيئة وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
من جانبه، قال الدكتور ياسين أحمد، الخبير الاقتصادى: إن مصر تدخل بقوة سباق الطاقة المستدامة من خلال التوسع فى مشروعات تحويل زيت الطعام المستعمل إلى وقود صديق للبيئة يستخدم فى قطاع الطيران فى خطوة تعكس تحولا نوعيا فى سياسات الطاقة والاقتصاد الأخضر، وتؤكد توجه الدولة نحو حلول مبتكرة تجمع بين حماية البيئة وتحقيق عوائد اقتصادية ملموسة.
وأوضح أن إعلان مصر عن خطط طموحة لإنتاج الوقود الحيوى المستدام للطائرات من الزيوت المستعملة يعد نقلة إستراتيجية، ليس فقط على مستوى قطاع الطاقة؛ بل على مستوى الاقتصاد ككل، خاصة فى ظل التحديات العالمية المرتبطة بتغير المناخ وارتفاع تكاليف الوقود التقليدى.
وأضاف الدكتور ياسين أن هذا التوجه، رغم ما يواجهه من تحديات فنية وتنظيمية، إلا أنه يمثل ركيزة أساسية فى إستراتيجية الدولة لتحقيق الاستدامة طويلة الأجل، ويفتح فى الوقت نفسه آفاقا اقتصادية جديدة لم تكن مستغلة من قبل.
وأشار إلى أن أهمية المشروع لا تقتصر على البعد البيئى فقط؛ بل تمتد لتشمل فرصا اقتصادية واعدة بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ فإنتاج وقود الطائرات محليا من مصادر متجددة مثل زيت الطعام المستعمل يساهم بشكل مباشر فى تقليل فاتورة الاستيراد، خاصة أن وقود الطائرات يعد من السلع الإستراتيجية مرتفعة التكلفة، ويتم استيراد جزء كبير منه بالعملة الأجنبية وبالتالى فإن توطين هذه الصناعة يخفف الضغط على النقد الأجنبى ويعزز ميزان المدفوعات.
وأضاف الخبير الاقتصادى أن المشروع يفتح الباب أمام خلق سوق صناعية جديدة بالكامل، تعتمد على منظومة متكاملة تشمل جمع الزيوت المستعملة من المنازل والمطاعم والفنادق ثم إعادة تدويرها وتكريرها وتحويلها إلى وقود صالح للاستخدام فى الطيران، هذه السلسلة الصناعية من شأنها توفير آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، سواء فى مجالات الجمع والنقل أو فى المصانع ووحدات التكرير، فضلا عن فرص العمل فى مجالات البحث والتطوير والخدمات اللوجستية.
وأكد أن التوسع فى إنتاج الوقود الحيوى المستدام يشجع كذلك على جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، خاصة فى ظل التوجه العالمى المتسارع نحو خفض الانبعاثات الكربونية وتحقيق الحياد الكربونى، فالدول والشركات الكبرى تبحث عن شركاء موثوقين فى مجال الطاقة النظيفة، ومصر تمتلك مقومات قوية تؤهلها لتكون مركزا إقليميا فى هذا المجال، سواء من حيث الموقع الجغرافى أو البنية التحتية أو الخبرات المتراكمة فى قطاع الطاقة.
وفيما يتعلق بالجانب البيئى، أوضح الدكتور ياسين أن استخدام زيت الطعام المستعمل فى إنتاج وقود الطائرات يحقق فوائد بيئية مزدوجة؛ فمن ناحية يحد من التلوث الناتج عن التخلص العشوائى من الزيوت المستعملة التى تعد من أخطر الملوثات للمياه والتربة، ومن ناحية أخرى يساهم فى تقليل انبعاثات ثانى أكسيد الكربون مقارنة بالوقود التقليدى وهو ما ينسجم مع التزامات مصر فى الاتفاقيات المناخية الدولية ومع خططها الوطنية لخفض الانبعاثات وتعزيز الاقتصاد الأخضر.
وأشار إلى أن هذا التوجه يتماشى أيضا مع معايير منظمة الطيران المدنى الدولى “إيكاو”، التى تشجع شركات الطيران على استخدام نسب متزايدة من الوقود الحيوى المستدام ضمن رحلاتها، بهدف تقليل البصمة الكربونية لقطاع الطيران، الذى يعد من أكثر القطاعات تأثيرا على المناخ وبالتالى فإن دخول مصر هذا المجال يمنحها ميزة تنافسية، سواء فى تلبية احتياجات شركات الطيران المحلية أو فى التصدير للأسواق الإقليمية والدولية.
وأكد أن نجاح هذه التجربة يتطلب إطارا تشريعيا وتنظيميا واضحا إلى جانب حملات توعية مجتمعية تشجع المواطنين والمنشآت على المشاركة فى منظومة جمع الزيوت المستعملة، كما شدد على أهمية الاستثمار فى البحث العلمى ونقل التكنولوجيا، لضمان إنتاج وقود عالى الجودة يلبى المعايير الدولية، ويعزز مكانة مصر فى سباق الطاقة المستدامة والاقتصاد الأخضر.

Related Articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *