وفاء على
فى وقتٍ تتزايد فيه الضغوط العالمية على أسواق الحبوب، وتتصاعد فيه مخاطر الاعتماد على الاستيراد، تتحرك الدولة بخطى متسارعة لإعادة ترتيب ملف القمح من جذوره باعتباره حجر الزاوية فى منظومة الأمن الغذائى، وأحد أهم عناصر الاستقرار الاقتصادى والاجتماعى.
ومع تغير المناخ وارتفاع تكاليف الإنتاج عالميا، بات الرهان الأساسى على زيادة الإنتاج المحلى وتحسين كفاءة الفدان، بدلا من الاعتماد على الأسواق الخارجية المتقلبة.
وفى هذا الإطار تواصل وزارة الزراعة واستصلاح الأراضى تنفيذ استراتيجية موسعة تستهدف تطوير التركيب الصنفى لمحصول القمح، عبر إدخال أصناف جديدة أكثر إنتاجية، وأشد قدرة على مقاومة الأمراض، فضلا عن توافقها مع اختلاف البيئات الزراعية من الدلتا إلى الصعيد والمشروعات القومية فى المناطق الصحراوية الجديدة.
وفى هذا السياق، كشف الدكتور جمعة عطا، الخبير بمركز البحوث الزراعية، أن الموسم الزراعى الحالى يشهد زراعة سبعة أصناف قمح معتمدة على مستوى الجمهورية، جرى اختيارها بعناية لتلائم طبيعة التربة والمناخ فى كل منطقة. وأوضح أن من بين هذه الأصناف ثلاثة أصناف حديثة الاستنباط، يصل متوسط إنتاجيتها إلى نحو 30 إردبا للفدان فى بعض المناطق، خاصة فى صعيد مصر ومناطق الاستصلاح الجديدة.
وأشار عطا إلى أن الأصناف الجديدة لا تقتصر ميزتها على ارتفاع الإنتاجية فقط، بل تمتاز أيضا بدرجة عالية من المقاومة لأمراض القمح الشائعة، وهو ما يقلل من حجم الفاقد ويرفع كفاءة المحصول اقتصاديا، مؤكدا أن توزيع الأصناف يتم وفق خريطة صنفية دقيقة، تراعى الفروق المناخية بين المحافظات.
وفى المقابل، لفت إلى أن الأراضى المتأثرة بالملوحة تتطلب أصنافا ذات قدرة أعلى على التحمل، مثل مصر 3، ومصر 4، وسدس 14، وسدس 15، وسخا 95، مؤكدا أن الاختيار الخاطئ للصنف قد يؤدى إلى تراجع الإنتاج حتى مع توافر باقى عناصر الزراعة.
كما أوضح الخبير بمركز البحوث الزراعية أن بعض الأصناف تناسب وجه قبلى أكثر من وجه بحرى، نظرا لاختلاف درجات الحرارة والرطوبة، مشيرا إلى أن أصناف الخبز مثل مصر 1 وسدس 12، إلى جانب أصناف المكرونة مثل بنى سويف 5 وبنى سويف 7 وسوهاج 5 وسوهاج 6، تحقق نتائج أفضل فى محافظات الصعيد.
وأضاف أن هناك مجموعة من الأصناف متعددة الاستخدامات، تصلح للزراعة فى معظم أنحاء الجمهورية، من بينها مصر 3، ومصر 4، وسدس 14، وسدس 15، وسخا 95، وسخا 96، وجيزة 171، موضحا أن تسمية الأصناف تعكس طبيعتها، حيث تعد أصناف بنى سويف وسوهاج فى الغالب أصناف مكرونة، بينما تمثل سخا وجميزة وسندويل أصناف خبز.
من جانبه، قال الدكتور محمد على فهيم، الخبير الزراعى: إن التوسع فى زراعة الأصناف الجديدة يمثل خطوة جوهرية على طريق تقليص فجوة القمح، موضحا أن الأصناف الحديثة تعكس نقلة نوعية فى الفكر الزراعى، لأنها تجمع بين الإنتاجية العالية والقدرة على التكيف مع التغيرات المناخية.
وأضاف أن نجاح هذه الخطة لا يتوقف فقط على جودة الصنف، بل يرتبط ارتباطا وثيقا بالإدارة السليمة للمحصول، سواء فيما يخص مواعيد الزراعة أو برامج الرى والتسميد، أو مكافحة الآفات، مؤكدا أن الالتزام بالممارسات الزراعية الصحيحة قادر على تعظيم العائد من الفدان الواحد.
وأشار فهيم إلى أن تعميم هذه الأصناف على نطاقٍ واسعٍ سيُسهم فى خفض فاتورة الاستيراد تدريجيا، ويعزز قدرة الدولة على مواجهة تقلبات الأسواق العالمية، خاصة فى ظل الأزمات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الحبوب عالميا.
وأكد أن استمرار الدعم الحكومى، وتوفير التقاوى المعتمدة، وتسهيل حصول المزارعين على مستلزمات الإنتاج، سيظل عاملا حاسما فى تحسين جودة المحصول وزيادة الإنتاج، بما يعزز من قدرة مصر على الاقتراب من الاكتفاء الذاتى من القمح، باعتباره محصولا استراتيجيا لا يحتمل المجازفة.




