بقلم: محمد فاروق
رائد الفضاء رون جاران كتب عن تجربته بعد أن قضى 200 يوم فى الفضاء، أكد أننا حين نرى حياتنا من أعلى هو أمر يشعرنا بالتواضع، كانت تجربة تحمل بين طياتها الحل لجميع مشاكلنا على الأرض، فأثناء مهمات السير فى الفضاء انبهر “جاران” بالمشهد المذهل للأرض من الفضاء، لكنه سرعان ما تذكر الاضطراب الذى يعانيه كوكبنا وكم نحن بحاجة لتجاوز واقعنا المرير. وبعد عودته من الفضاء قال نحن نعيش كذبة دون أن نشعر، ففى الفضاء لا تبدو الأرض مجموعة دول وحدود ومصالح متنافسة، بل تبدو كرة زرقاء واحدة متألقة معلقة فى ظلام الكون، تبدو الصراعات البشرية فجأة صغيرة.
هذا المنظر يسميه رواد الفضاء “تأثير النظرة الشاملة”، وهو تحول ذهنى عميق يحدث لمعظم من يرى الأرض من الفضاء.
نظرة رائد الفضاء هذه، تدعونا جميعا للتفكير بنظرة أعمق من نظرته هو نفسه، فهو نظر إلى الأرض من الناحية المادية ومسئولية حمايتها المشتركة الواقعة على عاتق جميع سكانها، لكن عندما قرأت كلماته نظرت إلى الموضوع بنظرة مختلفة، وهى أننا جميعا مطالبون بأن نضع صورة للكرة الأرضية من الفضاء ونعلقها فى المنزل.. فى المكتب.. على موبايلاتنا.. على الكمبيوتر.. المهم أن تكون دائما أمام أعيننا، لهدف فى غاية الأهمية وهو تلك النظرة الشمولية التى نرى بها الأشياء عندما ننظر لها من بعيد، فتلك النظرة تعطينا الحقيقة التى تغيب عنا وسط زحام الحياة ووسط متطلبات الدنيا ووسط سرعة إيقاع حياتنا والجرى والسعى واللهث وراء الرزق، حينها سنجد المعنى الحقيقى لوجودنا فوق هذه الأرض، وسنتذكر أننا مطالبون بواجبات مختلفة عما نؤديه، وستهون علينا كل مشاكل الحياة الدنيا التى نعتقد أنها قمة المآسى، وسننظر إلى الهموم والأحزان بنظرة العابر الذى يمر على طريق مسافته محددة ونهايته أكيدة مهما طال وهو طريق الحياة التى ستمر وتنتهى بحلوها ومرها.. بأفراحها وأحزانها.. بنجاحاتنا وإخفاقاتنا.. بأحبابنا وأعدائنا.. ولن يبقى منها سوى ما جنيناه من أعمال سواء كانت صالحة أو غير ذلك، ومدى طاعتنا ومعصيتنا لما أمرنا به الحى الصمد.
نعم.. نظرتنا للكرة الأرضية من على بُعد هى التى ستجعلنا ننظر للحياة التى نعيشها بهذه النظرة، هى التى ستذكرنا دائما بتفاهة وهيافة هذه الحياة، هى التى ستفيقنا من أوهامنا المنغمسين فيها، هى التى ستهون علينا الصعاب مهما كثرت، فلن نصاب باليأس أو الإحباط أو الضيق.. هى التى ستجعلنا ننظر لأى شخص على هذه الأرض على أنه مهما ارتفع شأنه فهو فى النهاية شخص ضعيف زائل فلن نمارس التملق أو النفاق.. هى التى ستذكرنا دائما بواجباتنا على الأرض، فلن نهمل أو نعصى.
والشخص الذى سيعتقد أن هذه النظرة للأمور والتعامل مع الحياة من هذا المنطلق هو اعتزال للحياة فهو مخطئ، بالعكس تماما فهذه النظرة هى قمة التفاؤل، وهى التى تجعلك دائم السعى والعمل فى الحياة مهما أصابك من إخفاقات، وهى التى ستجعلك تنهض وتحاول مهما فشلت، لأن الحزن الذى يكسر الرجال ويحبطهم لن يعرف لك طريقا، فأنت ستسير فى هذه الحياة بمبدأ التوازن وهو “السعى المقترن بالتوكل على الله تعالى”، فالسعى والاجتهاد أنت مطالب به، أما التدبير فهو من عند الله، فلن تحبط أبدا مهما كانت النتيجة، ففى النهاية ما كتبه الله لك سيكون وهو منتهى الخير لك والمناسب والأفضل.




