الإيكونوميست المصرية
القطن المصرى ثروة تدعم الاقتصاد الوطنى

القطن المصرى ثروة تدعم الاقتصاد الوطنى

ولاء جمال

يظل القطن المصري أحد أعمدة الزراعة والصناعة الوطنية، لما يحمله من جودة عالمية وقيمة اقتصادية مضافة وبين فرص التوسع في زراعته، ودوره في دعم الغزل والنسيج، وتقليل الاستيراد وجلب النقد الأجنبي، تبرز آراء الخبراء حول أهمية استثمار هذا المحصول الاستراتيجي لتعزيز الاقتصاد المصري.

أكد الدكتور مصطفى عطية وكيل معهد بحوث القطن الأسبق، والمتحدث الرسمي لمركز البحوث الزراعية، أن زراعة القطن في مصر ما زالت تمتلك فرصا كبيرة للنمو والتطور، خاصة في ظل ما تتمتع به الأصناف المصرية طويلة وفائقة الطول من سمعة عالمية وجودة استثنائية، تجعلها عنصرا مهما في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز تنافسية صناعة الغزل والنسيج.

وأوضح أن مصانع الغزل والنسيج في مصر تعمل على نوعين رئيسيين من الغزول: الغزول السميكة التي تعتمد على القطن قصير أو متوسط التيلة، والغزول الرفيعة التي تعتمد على القطن طويل وفائق الطول وهو ما يفسر احتياج المصانع إلى استيراد كميات من القطن قصير التيلة لاستخدامها في المنتجات الشعبية والكاجوال، في الوقت نفسه الذي تعتمد فيه على القطن المصري طويل التيلة لإنتاج الغزول والمنتجات عالية الجودة.

وأشار إلى أن هذا التنوع لا يمثل أزمة، بل يعكس مرونة الصناعة المصرية وقدرتها على تلبية احتياجات أسواق مختلفة، لافتا إلى أن القطن قصير ومتوسط التيلة يمثلان النسبة الأكبر من إنتاج القطن عالميا، في حين يظل القطن طويل وفائق الطول منتجا نادرا لا يتجاوز 2% من الإنتاج العالمي، وهو ما يمنح القطن المصري ميزة نسبية فريدة.

وأضاف الدكتور مصطفى أن زراعة القطن طويل التيلة في مصر تمثل خيارا استراتيجيا ناجحا، خاصة أن هذه الأصناف تحقق جودة عالية مع نسب هدر منخفضة أثناء التصنيع، وهو ما ينعكس إيجابيا على كفاءة التشغيل داخل المصانع وتقليل الفاقد، موضحا أن نسبة الهدر في القطن المصري لا تتجاوز 1.5% إلى 2%، مقارنة بنسب أعلى في بعض الأنواع الأخرى، وهو ما يعزز الجدوى الاقتصادية للصناعة.

كما أشار إلى أن الأصناف المزروعة في صعيد مصر مثل أصناف 95 و98، تمثل نماذج واعدة لقدرتها على الجمع بين خصائص القطن طويل التيلة ومتطلبات مصانع الغزل المحلية، ما يفتح المجال للتوسع في زراعتها داخل الأراضي الجديدة والمستوية، وبما يساهم في تلبية جانب من احتياجات الصناعة دون المساس بجودة القطن المصري.

وحول زراعة القطن قصير التيلة محليا، أوضح أن الدراسات والتجارب السابقة أكدت أن الأفضل اقتصاديا هو التركيز على استغلال الميزة التنافسية المتاحة بالفعل، بدل الدخول في منافسة عالمية شديدة مع دول تنتج هذا النوع في مساحات ضخمة وتحت نظم دعم مختلفة.

واعتبر أن استيراد القطن قصير التيلة لتشغيل المصانع يظل حلا عمليا يحقق التوازن بين التكلفة وجودة الإنتاج.

وفيما يتعلق بمساحات زراعة القطن، أكد أن زيادتها أو تراجعها يرتبطان ارتباطا وثيقا بسعر شراء القطن من المزارعين وسرعة صرف مستحقاتهم، مشيرا إلى أن المواسم التي شهدت أسعارا مجزية حققت توسعا ملحوظا في المساحات المزروعة، معتبرا أن الاستقرار السعري والدعم الفني للمزارعين من العوامل الأساسية للحفاظ على زراعة القطن وتطويرها.

وأضاف أن صناعة القطن تمثل أحد الروافد المهمة لتوفير العملة الصعبة، ليس فقط من خلال تصدير الخام، ولكن عبر تعظيم القيمة المضافة وزيادة صادرات المنتجات النهائية عالية الجودة، مشيدا بالجهود التي تبذلها الدولة في التوسع في إنشاء وتطوير مصانع الغزل والنسيج، معتبرا أنها خطوة محورية نحو تعظيم الاستفادة من القطن المصري وتعزيز مكانته التاريخية في الأسواق العالمية.

واكد الدكتور إمام إمام حسب النبي، أستاذ الاقتصاد الزراعي بمعهد بحوث الاقتصاد الزراعي وخبير السياسات الاقتصادية الزراعية، أن القطن المصري يعد من أهم المحاصيل الاستراتيجية التي تمتلكها مصر، لما يتميز به من جودة استثنائية ونعومة عالية جعلته واحدا من أفضل أنواع القطن في العالم، وأكثرها استخداما في صناعة المنسوجات الفاخرة وعالية الجودة.

ويشير إلى أن هذه السمعة العالمية لم تأتي من فراغ، بل جاءت نتيجة خصائص طبيعية فريدة تميز القطن المصري، خاصة طويل التيلة وفائق الطول.

وأوضح الخبير أن غالبية محصول القطن المصري عالي الجودة يتم تصديره إلى مختلف دول العالم، نظرا للإقبال الكبير عليه في الأسواق الدولية، بينما يتم توجيه نسبة محدودة فقط منه للتصنيع المحلي ويرى أن تصدير القطن، خاصة طويل التيلة، يحقق عائدا اقتصاديا مرتفعا للدولة، وغالبا ما يكون العائد من التصدير أعلى من تصنيعه محليا في صورته الخام، وهو ما يجعل القطن أحد المصادر المهمة للنقد الأجنبي.

وفي الوقت نفسه، شدد الدكتور إمام إمام حسب النبي على أن التوسع في زراعة القطن داخل مصر، لا سيما أصناف القطن قصير التيلة، يمثل ضرورة اقتصادية لا تقل أهمية عن تصدير القطن طويل التيلة فالمصانع المصرية العاملة في مجال الغزل والنسيج تعتمد بشكل كبير على استيراد القطن قصير التيلة من الخارج لتلبية احتياجاتها الإنتاجية، وهو ما يكلف الدولة مليارات الجنيهات سنويا بالعملة الصعبة ومن هنا، فإن التوسع في زراعة هذه الأصناف محليا يسهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد وتخفيف الضغط على الدولار.

وأشار الخبير إلى أن دعم زراعة القطن في مصر يحقق فائدة اقتصادية مزدوجة، حيث ينعكس إيجابيا على الاقتصاد الوطني من خلال شقين أساسيين الشق الأول يتمثل في الحد من الاستيراد، وهو ما يؤدي إلى توفير العملة الصعبة وتقليل استنزاف الاحتياطي النقدي أما الشق الثاني فيرتبط بزيادة الصادرات الزراعية، وعلى رأسها القطن طويل التيلة، بما يسهم في جلب النقد الأجنبي ودعم ميزان المدفوعات.

وأضاف أن التوسع في زراعة أنواع معينة من القطن، مثل القطن قصير التيلة، يقلل بشكل ملحوظ من استيراد مدخلات الصناعة التي يتم دفع قيمتها بالدولار سنويا وفي المقابل، يظل القطن طويل التيلة أحد أهم مصادر النقد الأجنبي، نظرا لقيمته المرتفعة في الأسواق العالمية، مؤكدا أن الجمع بين التوسع في زراعة النوعين يمثل سياسة اقتصادية متوازنة تخدم الصناعة المحلية وتدعم الصادرات في آن واحد.

وحول كيفية مساهمة زراعة القطن في تقليل استهلاك الدولار، أوضح الدكتور إمام إمام حسب النبي أن أول هذه الآليات تتمثل في تقليل فاتورة الاستيراد فمصانع الغزل والنسيج المصرية تستورد كميات كبيرة من القطن قصير التيلة، وزيادة إنتاج هذا النوع محليًا تعني الاستغناء عن جزء كبير من هذه الواردات، وهو ما ينعكس مباشرة على خفض الطلب على الدولار.

أما الآلية الثانية، فتتمثل في توطين الصناعة المحلية من خلال استبدال المواد الخام المستوردة بأخرى محلية، الأمر الذي يقلل من الاعتماد على العملة الأجنبية في مدخلات الإنتاج ويسهم هذا التوجه في تعزيز الصناعة الوطنية، ودعم سلاسل القيمة المحلية، وخلق فرص عمل جديدة في القطاعات المرتبطة بالزراعة والصناعة.

وتتمثل الآلية الثالثة في تعظيم القيمة المضافة لمحصول القطن، وذلك عبر تصنيعه محليا وتحويله إلى منتجات نهائية، مثل الخيوط والأقمشة والملابس الجاهزة، مؤكدا أن تصدير هذه المنتجات المصنعة يحقق عوائد دولارية أعلى بكثير مقارنة بتصدير القطن الخام، فضلا عن تعزيز القدرة التنافسية للمنتج المصري في الأسواق العالمية.

أما الآلية الرابعة، فتتعلق بجلب النقد الأجنبي بشكل مباشر من خلال تصدير القطن، حيث تحتل مصر مكانة متميزة بين الدول المصدرة للقطن عالي الجودة ويعد هذا التصدير مصدرا مهما ومستداما للنقد الأجنبي، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد على القطن المصري.

وأكد الدكتور إمام إمام حسب النبي أن زراعة القطن تمثل استثمارا استراتيجيا طويل الأجل، يدعم صناعة الغزل والنسيج والملابس الوطنية، ويعزز من قدرة الاقتصاد المصري على تحقيق التوازن بين تقليل الاستيراد وزيادة التصدير، بما يسهم في دعم النمو الاقتصادي وتحقيق التنمية المستدامة.

Related Articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *