ولاء جمال
بعد سنواتٍ من التعثر، بدأت بوادر الانفراجة تلوح فى ملف المصانع المتعثرة مع تحركاتٍ جادةٍ أعادت الأمل للقطاع الصناعى.
فقد تبنَّت الدولة رؤية عملية لإعادة تشغيل المصانع المتوقفة، وتحويل التحديات إلى فرص حقيقية، بما أسهم فى استعادة الإنتاج، ودعم الاقتصاد الوطنى، وتوفير فرص عمل مستدامة.
الدكتور عبد النبى عبد المطلب الخبير الاقتصادى، أكد أن ملف المصانع المتعثرة يعد من أبرز التحديات التى واجهت الاقتصاد المصرى خلال السنوات الماضية، خاصة فيما أعقب 25 يناير 2011 من حالة عدم الاستقرار الأمنى والاقتصادى، مما انعكس بصورة مباشرة على النشاط الصناعى وأدى إلى تعثر عدد كبير من المصانع فى مختلف القطاعات.
وأوضح الخبير الاقتصادى أن هذه المرحلة شهدت خروج بعض أصحاب المصانع من مواقع الإنتاج، إما بسبب المخاوف الأمنية أو اضطراب الأوضاع العامة، مما ترتب عليه توقف عجلة الإنتاج لفترات طويلة ومع هذا التوقف، بدأت تتراكم الالتزامات المالية على المصانع، لا سيما المستحقات الحكومية، وهو ما فاقم من أزمة التعثر وجعل العودة إلى التشغيل أمرا بالغ الصعوبة دون تدخل من الدولة.
وأشار الدكتور عبد النبى إلى أنه فى عام 2014، أدركت وزارة التجارة والصناعة خطورة استمرار هذا الوضع، فبادرت بوضع خطة شاملة لتعويم المصانع المتعثرة وإعادتها إلى دائرة الإنتاج، باعتبار الصناعة أحد الأعمدة الرئيسية للاقتصاد الوطنى وبدأت الوزارة بالفعل فى تلقى طلبات أصحاب المصانع الراغبين فى تسوية أوضاعهم، تمهيدا لدراسة الأسباب التى أدت إلى التعثر ووضع حلول مناسبة لكل حالة.
وأضاف أن عددا كبيرا من أصحاب المصانع تقدموا بطلبات رسمية، خضعت لدراسة متأنية من أكثر من جهة، فى إطار تنسيق مؤسسى يهدف إلى الوصول إلى حلول واقعية وقابلة للتنفيذ وأسفرت هذه الدراسات عن أن جزءا كبيرا من المصانع لم يتوقف لأسباب فنية أو إنتاجية، بل نتيجة مشكلات إدارية نشأت مع بداية الاضطرابات الأمنية، حيث ترك بعض أصحاب المصانع منشآتهم لفترات طويلة، ما أدى إلى تعطل الإدارة وتوقف التشغيل.
وتابع أن هذا التوقف ترتب عليه تراكم ديون ومستحقات مالية للجهات الحكومية المختلفة، شملت التأمينات الاجتماعية، وفواتير الكهرباء والغاز والمياه، إلى جانب الضرائب والرسوم الدورية التى تُسدد شهريا أو سنويا، ومع مرور الوقت، تضاعفت هذه المديونيات، وأصبحت عبئا ثقيلا على أصحاب المصانع، خاصة أنهم لم يكونوا يحققون أية إيرادات فى ظل توقف النشاط، الأمر الذى صعَّب من إمكانية سداد هذه الالتزامات.
وأوضح الدكتور عبد النبى أن التعامل مع هذا الملف لم يكن سهلا، نظرا لتشابك القضايا المالية والإدارية والقانونية المرتبطة به، وهو ما استلزم فترة أطول للدراسة والتقييم، معتبرا أن تولى الفريق كامل الوزير وزارة الصناعة مثَّل نقطة تحول مهمة، حيث شهدت هذه المرحلة درجة أعلى من التنسيق بين أجهزة الدولة المختلفة، بما ساهم فى تسريع وتيرة الحلول ووضع آليات أكثر مرونة وفاعلية.
وأشار إلى أن الدولة تبنَّت فى هذه المرحلة منهجا عمليا يقوم على ربط تسوية المديونيات بعودة المصانع إلى التشغيل بدلا من الاكتفاء بالمطالبات المالية، وبموجب هذا التوجه، تم حل مشكلة مديونية عدد كبير من المصانع المتعثرة تجاه الجهات الحكومية، شريطة التزامها بإعادة التشغيل والدخول فى دورات إنتاجية جديدة.
كما أُتيحت لهذه المصانع فرصة الحصول على قروض ميسرة تساعدها على استعادة نشاطها، مع تقسيط المديونيات على فترات زمنية طويلة تتناسب مع قدراتها المالية.
وأكد الخبير الاقتصادى أن هذا الأسلوب يعد الأمثل لإعادة تعويم المصانع المتعثرة، لأنه يحقق مصلحة جميع الأطراف، حيث تستعيد الدولة مستحقاتها تدريجيا، وفى الوقت نفسه تعود المصانع للإنتاج وتوفير فرص العمل وقد أسهمت هذه السياسة فى إعادة تشغيل نحو 1420 مصنعا كانت متوقفة عن العمل، وهو إنجاز يعكس نجاح النهج الذى تبنَّته الدولة فى التعامل مع هذا الملف المعقد.
وأشار الدكتور عبد النبى إلى أن الأثر الإيجابى لإعادة تشغيل المصانع لا يقتصر على الجانب الاقتصادى فقط، بل يمتد إلى البعد الاجتماعى، من خلال الحفاظ على العمالة القائمة وتوفير فرص عمل جديدة، فضلا عن تنشيط الاقتصاد المحلى وزيادة الإنتاج، كما تسهم هذه الخطوات فى تقليل الاعتماد على الاستيراد، وتعزيز القدرة التنافسية للمنتجات المصرية فى الأسواق المحلية والخارجية.
وأكد أن الجهود ما زالت مستمرة، حيث تشير التقديرات إلى وجود نحو 500 مصنع آخر فى طريقها إلى إعادة التشغيل خلال المرحلة المقبلة، ما يعكس التزام الدولة الكامل بدعم الصناعة الوطنية، واستعادة الطاقات الإنتاجية المعطلة، باعتبار ذلك أحد المسارات الرئيسية لتحقيق نمو اقتصادى مستدام وتعزيز قوة الاقتصاد المصرى.
من جهته، أكد الدكتور ياسين أحمد الخبير الاقتصادى، أن نجاح الدولة فى إعادة تشغيل نحو 1420 مصنعا متعثرا يعد خطوة بالغة الأهمية على طريق دعم الاقتصاد الوطنى وتعزيز النمو المستدام، مشيرا إلى أن هذا الملف حظى باهتمام كبير من الدولة خلال الفترة الماضية، فى إطار رؤية شاملة تستهدف دعم القطاع الصناعى باعتباره أحد المحركات الرئيسية للتنمية.
وأوضح الخبير الاقتصادى أن الدولة لم تتعامل مع ملف المصانع المتعثرة بشكل تقليدى أو جزئى، بل تبنَّت منهجا علميا يقوم على تشخيص دقيق لأسباب التعثر، حيث جرى تصنيف المصانع المتوقفة وفقا لطبيعة المشكلات التى تواجهها، سواء كانت مشكلات تمويلية، أو أزمات مرتبطة بالسوق، أو معوقات تتعلق بالتراخيص والإجراءات القانونية، أو تحديات خاصة بالطاقة وتوفير الخامات، وهو ما أتاح وضع حلول متخصصة تناسب كل حالة على حدة.
وأشار الدكتور ياسين إلى أن جزءا كبيرا من المصانع المتعثرة كان يعانى من أعباء مالية وديون متراكمة، ما حال دون قدرتها على الاستمرار فى الإنتاج وفى هذا الإطار، لعبت مبادرات الدولة بالتعاون مع البنك المركزى دورا محوريا فى مساعدة هذه المصانع على تجاوز أزماتها من خلال إعادة جدولة الديون، وإسقاط أجزاء من الفوائد المتراكمة، إلى جانب توفير قروض جديدة بفوائد منخفضة، بما مَكَّنَ المصانع من بدء دورات إنتاجية جديدة واستعادة نشاطها تدريجيا.
وأضاف أن الدولة أولت اهتماما خاصا بالمصانع التى توقفت بسبب مشكلات الطاقة أو صعوبة الحصول على مستلزمات الإنتاج المستوردة، حيث تم العمل على توفير الغاز والكهرباء بأسعار مناسبة، إلى جانب تيسير إجراءات استيراد الخامات ومستلزمات الإنتاج، وهو ما خَفَّفَ من الأعباء التشغيلية وساعد المصانع على العودة إلى العمل بكفاءة أكبر.
كما تطرق الخبير الاقتصادى إلى ملف التراخيص، الذى كان يمثل عائقا رئيسيا أمام عدد من المصانع، موضحا أن الدولة اتجهت إلى تبسيط الإجراءات الإدارية من خلال تطبيق نظام “الشباك الواحد” والرخصة الذهبية، بما يسمح لأصحاب المصانع بإنهاء جميع الإجراءات فى جهة واحدة، بدلا من التعامل مع جهات متعددة كما كان الحال سابقا وأسهم هذا التوجه فى تقليل زمن استخراج التراخيص، وخلق بيئة أكثر جذبا للاستثمار الصناعى، وسَهَّلَ إعادة تشغيل عدد كبير من المصانع المتوقفة.
وأشار إلى أن فتح الأسواق الخارجية أمام المنتجات المصرية كان أحد المحاور المهمة فى استراتيجية إعادة تشغيل المصانع، حيث عملت الدولة على دعم الصادرات، وتقليل الأعباء الجمركية على مستلزمات الإنتاج، ورد أعباء التصدير، ما زاد من تنافسية المنتجات المصرية فى الخارج، ورفع الطلب عليها، وجعل إعادة تشغيل المصانع خيارا اقتصاديا مجديا.
وأكد أن هذه الجهود المتكاملة انعكست بشكل مباشر على الاقتصاد الوطنى، إذ يسهم تشغيل المصانع المتعثرة فى زيادة الإنتاج المحلى، ودعم مستهدفات الدولة لتحقيق معدلات نمو اقتصادى تتجاوز 5% كما يؤدى إلى زيادة الصادرات، بما يوفر عوائد إضافية من العملة الأجنبية، ويقلل الاعتماد على الاستيراد، ويدعم الميزان التجارى.
وعلى الصعيد الاجتماعى، أوضح الخبير الاقتصادى أن عودة المصانع للعمل تسهم فى توفير آلاف فرص العمل، خاصة للشباب، وتساعد على خفض معدلات البطالة، وتحسين مستويات الدخل، وهو ما ينعكس إيجابا على الاستقرار الاجتماعى ورفع مستوى المعيشة، فضلا عن تنشيط الدورة الاقتصادية وزيادة الدخل القومى.
وأشار إلى أن الدولة لم تعتمد فى هذه الاستراتيجية على إجراء واحد أو جهة بعينها، بل تبنَّت حزمة متكاملة من السياسات شملت الإصلاحات التمويلية بالتعاون مع البنوك، والتشريعات المنظمة للتراخيص، ومعالجة مشكلات الإدارة داخل بعض المصانع، إلى جانب التعامل مع معوقات السوق، وهو ما أتاح حلولا شاملة ومستدامة.
وأكد أن استمرار الدولة فى هذا النهج سيؤدى إلى تقليص عدد المصانع المتعثرة إلى الحد الأدنى، وتعظيم الاستفادة من الطاقات الإنتاجية القائمة، بما يدعم الاقتصاد القومى على المدى الطويل، ويعزز من قدرة الصناعة المصرية على المنافسة محليا وإقليميا، لافتا إلى أن الصناعة ستظل ركيزة أساسية لتحقيق التنمية الشاملة فى مصر.




