• د. على إسماعيل: من أهم المعوقات التى تعرقل زيادة المساحات المزروعة ندرة المياه
• د. محمد سالم: ضرورة تشجيع القطاع الخاص على استصلاح الأراضى الزراعية
فاطمة إبراهيم
ارتفعت المساحة المنزرعة إلى 10.1 مليون فدان خلال عام 2024، مقارنة بـ9.1 مليون فدان فى عام 2015، بنسبة زيادة بلغت 11%، فيما قفزت مساحة الأراضى المستصلحة إلى 610.8 ألف فدان مقابل 14.5 ألف فدان فقط، بنسبة زيادة استثنائية بلغت 4112%، بحسب تقرير الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء .
فهل تكفى هذه الزيادة فى مساحة الأراضى الزراعية والأراضى المستصلحة لتغطى الزيادة فى النمو السكانى؟ وما الذى يعرقل النمو فى زيادة المساحات الزراعية المنزرعة ؟ وكيف تتغلب مصر على هذه التحديات والعراقيل؟
أكد الخبراء أن مساحة الأراضى المزروعة زادت خلال الأربعة عشر عاما الماضية بنسب ممتازة، إلا أنها لا تتناسب مع معدل الزيادة السكانية؛ حيث ينمو السكان بمعدل يتراوح بين 1.47% إلى 1.57% سنوياً، مما يمثل زيادة تتخطى مليون ونصف المليون نسمة كل عام، مشيرين إلى أن مصر تشهد توسعاً أفقياً غير مسبوق للتعويض عن طريق مشروعات قومية كبرى مثل “الدلتا الجديدة” و”توشكى” بهدف إضافة ملايين الأفدنة الجديدة، ولكن تظل نسبة النمو فى الرقعة الزراعية (التى لا تتعدى 3% من إجمالى مساحة مصر) أبطأ بكثير من معدل تضاعف أعداد السكان على مدار العقود الماضية .
وتسبب النمو السكانى فى تراجع نصيب الفرد من الأرض الزراعية عالمياً بشكل عام وفى مصر بشكل خاص ليصبح الأقل عالمياً.
وأدى التوسع السكانى فى القرى والمحافظات القديمة إلى “قضم” واختفاء آلاف الأفدنة الزراعية الخصبة نتيجة الزحف العشوائى للبناء عليها، وجعل هذا الاختلال بين الزيادة السكانية الثابتة والمساحة الزراعية؛ مصر تستورد أكثر من 60% من احتياجاتها الاستراتيجية من الحبوب كالقمح.
وتسبب النمو السكانى فى تراجع نصيب الفرد من الأرض الزراعية عالمياً بشكل عام وفى مصر بشكل خاص؛ ليصبح الأقل عالميا ليصل إلى نحو قيراطين فقط.
وأشار الخبراء لـ “الإيكونوميست المصرية” إلى أن أبرز التحديات التى تعرقل التوسع فى استصلاح الأراضى وزيادة المساحات المزروعة فى مصر تتمثل فى ندرة الموارد المائية، وارتفاع تكاليف البنية التحتية، والزحف العمرانى على الرقعة القديمة، وتدهور التربة وزيادة ملوحتها، إلى جانب تداعيات التغيرات المناخية التى تؤثر على إنتاجية المحاصيل ومعدلات الاستهلاك المائى.
الدكتور على إسماعيل المدير الأسبق لمعهد الأراضى والمياه بوزارة الزراعة أكد أن مساحة الأراضى الزراعية عام 2014 سجلت نحو 8.3 مليون فدان زادت إلى 10.3 مليون فدان فى عام 2026، بما يمثل نحو 18 مليون فدان بالزراعة الموسمية، بالإضافة إلى تعويض ما تم استقطاعه قبل ذلك، مشيرا إلى أنه من المستهدف أن تبلغ الزيادة من 2 مليون فدان إلى 4 ملايين فدان خلال عام 2027 .
وعن المعوقات التى تعرقل زيادة المساحات المزروعة قال د. إسماعيل: إن عدم توافر المياه هو السبب الرئيسى، فزراعة أى فدان يتطلب 5000 متر مكعب مياه، فمعنى ذلك أن زراعة 4 ملايين فدان تتطلب 20 مليار متر مكعب من المياه، وهذا رقم كبير فى ظل محدودية المياه، مشيرا إلى أنها تعتمد على تطوير منظومة الرى، ومعالجة مياه الرى، “مياه الصرف الزراعى واستخدامها فى الزراعة “، وكذا بالإضافة إلى الترشيد واستخدام نباتات ومحاصيل زراعية قليلة الاستهلاك المائى.
وتبلغ حصة مصر الثابتة من مياه النيل 55.5 مليار متر مكعب سنوياً، بينما تتجاوز الاحتياجات الفعلية 110 مليارات متر مكعب.
وقد هبط نصيب الفرد السنوى إلى ما دون 500 متر مكعب، وهو يقع ضمن خط الفقر المائى العالمى، مما يدفع الدولة لسد العجز عبر إعادة استخدام مياه الصرف الزراعى.
ويبلغ إجمالى الموارد المتاحة نحو 81 مليار متر مكعب (من ضمنها مياه الأمطار والمياه الجوفية)، فى حين تتخطى الاحتياجات السنوية حاجز 110 مليارات متر مكعب.
ولفت المدير الأسبق لمعهد الأراضى والمياه بوزارة الزراعة إلى أن ما حدث خلال 14 سنة الماضية لم يحدث خلال تاريخ مصر الزراعى، وزيادة الرقعة الزراعية بـ 2 مليون فدان يمثل أكثر من 50% من إجمالى ما تم إضافته خلال ستين عاما، وبالوصول إلى 4 ملايين فدان يصل إلى 100% من إجمالى ما تم استصلاحه، و80% من أراضى الدلتا القديمة .
من جهته، قال الدكتور إبراهيم على خبير الاقتصاد الزراعى إن نمو المساحات المزروعة أقل بكثير مما تحتاجه الدولة نتيجة نمو السكان، ولكن تبذل الدولة جهودا كبيرة لزيادة المساحات الزراعية، مشيرا إلى أن الدولة حققت معدلات نمو إيجابية خلال العشرين عاما الماضية .
وأضاف على أن استصلاح الأراضى مكلف جدا، وعلى الرغم من ذلك فإن الدولة تستثمر فى أكثر من مشروع من بينها مشروع اللاهون ببنى سويف، ومشروع استصلاح 2 مليون فدان، لكن التحديات تزيد مع التعديات على الأراضى الزراعية، مشيرا إلى أن الدولة صارمة فى مواجهة هذه التعديات، لافتا إلى أن مصر فى السنوات الأخيرة تسير بقوة نحو تحقيق خطة 2030 للتوسع الزراعى .
وأفاد بأن إقامة البنية التحتية (شبكات الكهرباء، محطات المياه، والطرق) فى المناطق الصحراوية تتطلب استثمارات ضخمة، وهو ما يتأثر بشكل مباشر بمعدلات التضخم، وصعوبة إمداد المشاريع الزراعية الجديدة بالطاقة والمياه فى مراحلها الأولى، فضلا عن نقص العمالة الفنية نتيجة ارتفاع تكلفة الأيدى العاملة والحاجة المستمرة لكوادر ماهرة قادرة على إدارة نظم الزراعة الحديثة والذكية .
من جانبه، لفت الدكتور محمد سالم خبير الاقتصاد الزراعى إلى أن التوسع الأفقى فى الزراعة كان محدودا، لكن فى عهد الرئيس عبد الفتاح السيسى الزيادة أصبحت جيدة بالمقارنة بالعهود السابقة، مشيرا إلى أن التحديات تتمثل فى الموارد الرأسمالية، وكذلك الموارد المائية، مشيرا إلى أن مصر غنية بمساحات واسعة للاستصلاح والاستزراع.
وذكر د. سالم أن المياه تمثل العائق الرئيسى أمام استصلاح الأراضى، حيث تعانى معظم الدول، خاصة مصر، من ثبات حصص المياه التقليدية (مثل مياه نهر النيل) فى ظل زيادة النمو السكانى والطلب على الغذاء، ويتطلب هذا التحول إلى استخدام مياه الصرف الزراعى المعالجة والمياه الجوفية.
تتعامل مصر مع محدودية حصتها المائية البالغة 55.5 مليار متر مكعب عبر خطة قومية لإعادة استخدام مياه الصرف الزراعى والصحى (23 مليار متر مكعب سنوياً)، والتوسع فى محطات تحلية مياه البحر، وتبطين الترع، والانتقال لنظم الرى الحديثة، إلى جانب الالتزام بالمسار الدبلوماسى لتأمين حقوقها المائية .
وتعد مصر من أكثر دول العالم إعادةً لاستخدام المياه، حيث يُعاد تدوير واستخدام حوالى 23 مليار متر مكعب سنوياً لسد العجز المائى المتوقع وتلبية الاحتياجات الزراعية، كما وجهت الدولة نحو الاعتماد الكامل على التحلية لتوفير مياه الشرب فى كافة المحافظات الساحلية والمناطق النائية، مما يرفع العبء والضغط عن مياه نهر النيل.
وتم إطلاق برنامج قومى لاستبدال الرى بالغمر بنظم الرى بالتنقيط والرش، فضلاً عن مشاريع تبطين الترع لتقليل الفاقد من المياه نتيجة التسرب والبخر.
وأكد خبير الاقتصاد الزراعى أهمية تشجيع القطاع الخاص على استصلاح الأراضى الزراعية؛ حيث يمتلك رأس المال، مشيرا إلى أن ذلك يتطلب منح تسهيلات فى تملك الأراضى الزراعية، وسداد قيمة الأراضى سواء انتفاع أو تملك على فترات طويلة، لاسيما أن العائد ليس مجزيا بالشكل الكافى، بالإضافة إلى توفير البنية الأساسية.




