الإيكونوميست المصرية
الزراعة تتحرك بخطط استباقية لحماية المحاصيل لمواجهة التغيرات المناخية

الزراعة تتحرك بخطط استباقية لحماية المحاصيل لمواجهة التغيرات المناخية

ولاء جمال

تواجه مصر تحديات هيكلية واقتصادية متزايدة نتيجة التقلبات الجوية والتغيرات المناخية وتأثيراتها المباشرة والعميقة على القطاع الزراعي ومختلف المحاصيل الاستراتيجية. لم تعد القضية المناخية مجرد ملف بيئي محصور في النشرات والأبحاث النظرية، بل تحولت إلى محدد اقتصادي حاسم يمسّ مباشرةً معدلات النمو الاقتصادي، ومستويات التضخم، واستقرار الأمن الغذائي القومي، وحجم الفائض القابل للتصدير من الإنتاج الزراعي.
هذا الواقع المناخي المعقد دفع الدولة المصرية بكل مؤسساتها التنفيذية والبحثية إلى تبني مجموعة متكاملة من الخطط والاستراتيجيات العلمية والإرشادية والاستثمارية الاستباقية، التي تستهدف بالأساس الحد من التداعيات السلبية لهذه الظواهر الطارئة، والحفاظ على مستويات الإنتاج الزراعي، وتعزيز القدرة على التكيف المرن مع المتغيرات المناخية المتسارعة، بما يضمن استدامة سلاسل الإمداد الغذائي وصيانة مكتسبات الصادرات المصرية في الأسواق الدولية.
حلول علمية واستباقية لرسم خارطة التكيف المناخي
وفي هذا السياق، أكد الدكتور إمام حسب النبي، أستاذ الاقتصاد الزراعي وخبير السياسات الاقتصادية الزراعية، أن مواجهة تأثيرات التقلبات الجوية والتغيرات المناخية على المحاصيل الزراعية تتطلب بالضرورة تحركاً استباقياً غير تقليدي من خلال وضع حلول علمية وعملية متكاملة تضمن حماية الإنتاج الزراعي الشامل وتقليل حجم الخسائر المالية والمحصولية المحتملة لدى الفلاحين والدولة.
وأوضح الدكتور إمام أن الوزارات والهيئات والمؤسسات البحثية الحكومية المعنية تضطلع اليوم بدور محوري وأساسي في إدارة هذا الملف الحيوي، من خلال دراسة المتغيرات المناخية الدقيقة والتنبؤ الاستباقي بتأثيراتها على دورات نمو النباتات، ووضع الحلول والبدائل المناسبة قبل حدوث الأزمات وتفاقمها. وأشار إلى أن الركيزة الأولى لمواجهة هذه المخاطر تتمثل في التركيز على البحث العلمي لاستنباط أصناف وسلالات جديدة من المحاصيل الزراعية تكون أكثر قدرة على المقاومة والتكيف مع الظروف الجوية المتغيرة، سواء كانت موجات حرارة شديدة، أو صقيعاً مفاجئاً، أو تذبذباً في معدلات الرطوبة.
وأشار خبير السياسات الاقتصادية الزراعية إلى أن مركز البحوث الزراعية، باعتباره أحد أهم الصروح العلمية والبحثية التابعة لوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، يعمل بصورة مستمرة ودءوبة على توفير تقاوى وسلالات محسنة وراثياً، من بينها أصناف مبكرة النضج، بما يساعد بشكل مباشر على تقليل فترة تعريض المحاصيل لفترات الطقس القاسي والموجات المناخية الحادة. كما يركز المركز على استنباط أصناف تتمتع بقدرة أكبر وأعلى على تحمل الإجهاد الحراري، والجفاف، وارتفاع مستويات ملوحة التربة والمياه، وهي العوامل التي باتت تهدد الإنتاجية الفدانية في العديد من المناطق الزراعية.
وأضاف الدكتور إمام أن تحديث الخريطة الزراعية الوطنية يمثل أحد أهم المحاور الارتكازية للتعامل الهيكلي مع التغيرات المناخية. ويتم ذلك من خلال إعادة النظر الشاملة في مواعيد الزراعة الخاصة بالعروات المختلفة (الصيفية، النيلية، والشتوية)، وتعديل الجداول الزمنية للزراعة بمرونة كاملة بما يتناسب مع الظروف الجوية المستجدة. ويهدف هذا التعديل الزمني المستمر إلى تجنب فترة ذروة الموجات الحارة أو موجات الصقيع القاسية التي قد تؤثر سلباً على عمليات التزهير والعقد ونمو المحاصيل وتخفض من إنتاجيتها النهائية وجودتها التسويقية.
ولفت كذلك إلى أهمية التوسع المتزايد في استصلاح الأراضي الجديدة، خاصة في المناطق الصحراوية، ضمن رؤية استراتيجية شاملة لإعادة توزيع بعض المحاصيل الزراعية والتوسع في الرقعة الزراعية المأهولة. ويسهم هذا التوسع الصحراوي في مواجهة التحديات التراكمية التي تتعرض لها بعض الأراضي القديمة في مناطق الدلتا، وعلى رأسها ارتفاع معدلات الملوحة في التربة نتيجة تسرب المياه الجوفية المالحة أو تأثيرات التغيرات المناخية، مما ينعكس إيجاباً على استدامة الإنتاج الزراعي الإجمالي.
وأكد خبير السياسات الاقتصادية الزراعية أن الإرشاد الزراعي يمثل عنصراً رئيسياً وحاكماً في منظومة مواجهة التغيرات المناخية، إذ يلعب دور الجسر الناقل للمعلومات والتوصيات العلمية والنتائج البحثية من المختبرات إلى المزارعين في الحقول بأسلوب سلس وسريع.
وأوضح أن هذا الدور يتبلور بشكل فعال عبر تفعيل منظومة الإنذار المبكر المتقدمة، وإرسال الرسائل والتنبيهات الفورية للمزارعين عبر تطبيقات الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي والنشرات الدورية التي يقدمها مركز معلومات تغير المناخ التابع للوزارة. تتضمن هذه الرسائل توقعات دقيقة لحالة الطقس، وتحذيرات مبكرة من الظواهر الجوية المفاجئة (مثل العواصف الترابية، أو الموجات الشديدة الحرارة، أو الشبورة المائية الكثيفة)، مرفقة بالإرشادات والخطوات التدبيرية اللازمة للتعامل الميداني مع كل حالة على حدة.
كما شدد الدكتور إمام على أهمية التوجيه الميداني المباشر للمزارعين من خلال إرشادهم إلى تعديل فترات ومواعيد الري وفقاً للظروف الجوية المحيطة (كالري في الصباح الباكر أو المساء وتجنب الري وقت الذروة الحرارية)، واستخدام المخصبات الزراعية والعناصر الغذائية والمركبات المحفزة المناسبة (مثل الأحماض الأمينية والبوتاسيوم وسيليكات الصوديوم)، بما يساعد النباتات على تحمل صدمات الحرارة المرتفعة، والتقلبات الجوية العاصفة، ويزيد من مقاومتها للإجهاد المناخي، بما يحافظ في نهاية المطاف على جودة المحاصيل ومستويات الإنتاجية.
واختتم أستاذ الاقتصاد الزراعي تصريحاته بالـتأكيد على أن تكامل البحث العلمي التطبيقي مع منظومة الإرشاد الزراعي الذكية والتخطيط الاستراتيجي طويل الأمد يمثل الطريق الأكثر فاعلية واستدامة لتعزيز قدرة القطاع الزراعي المصري على مواجهة تداعيات التغيرات المناخية وبناء اقتصاد زراعي قادر على الصمود.
رؤية الميدان آليات التكيف وحماية المحاصيل الأكثر تضرراً
من جانبه، ألقى حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، الضوء على الجانب الميداني والتطبيقي لهذه المخاطر المناخية، مؤكداً أن مصر بدأت بالفعل في اتخاذ مجموعة مكثفة من الإجراءات والخطوات الاستباقية والعملية لمواجهة تأثيرات التقلبات الجوية والتغيرات المناخية على القطاع الزراعي، خاصة في ظل تكرار موجات الطقس غير المستقرة والظواهر المناخية الحادة خلال فصلي الصيف والشتاء على حد سواء.
وأوضح أبو صدام أن الدولة اتجهت بقوة نحو تطوير طرق وأساليب الزراعة التقليدية، ومن أبرز هذه الاتجاهات الحديثة التوسع القومي في الزراعة داخل الصوب والبيوت الزراعية المحمية. توفر الصوب بيئة مناخية واستزراعية مكيّفة ومتحكماً بها، مما يساعد على توفير البيئة الأنسب نمواً للمحاصيل وتقليل تعرضها المباشر للتقلبات الجوية الحادة وموجات الطقس المتطرفة. وأكد نقيب الفلاحين أن هذا الاتجاه يمثل إحدى الوسائل والأدوات المحورية للتكيف الهيكلي مع التغيرات المناخية وضمان إنتاجية عالية الجودة طوال العام.
وأضاف أن مصر بدأت كذلك، عبر مؤسساتها الوطنية، العمل المكثف على استنباط أصناف زراعية جديدة ومتطورة مقاومة للتغيرات المناخية الصعبة، بما يساعد على الحد المباشر من الخسائر المالية والمحصولية التي قد تتعرض لها المزارع نتيجة الارتفاع أو الانخفاض المفاجئ في درجات الحرارة. يرافق ذلك اتجاه مرن ونشط لتغيير مواعيد الزراعة المعتادة بما يتناسب مع الظروف الجوية الميدانية وطبيعة الاحتياجات الحرارية لكل محصول.
وأكد نقيب الفلاحين أن التغيرات المناخية أصبحت بلا شك من أكبر التحديات الاقتصادية والبيئية التي تهدد مستقبل القطاع الزراعي خلال الفترة المقبلة، مشيراً إلى أن تأثيراتها السلبية لا تقتصر فقط على انخفاض إنتاجية الفدان من المحاصيل، بل تتعدى ذلك لتصل إلى تلف الزراعات القائمة، والإضرار البالغ بخصوبة التربة، واستنزاف الموارد المائية والزراعية، وهو ما يفرز ضرورة قصوى للتعامل مع هذه التحديات عبر خطط علمية، استباقية، ومستدامة.
وأشار أبو صدام إلى أن مشروعات الصرف الزراعي الحديثة، خاصة الصرف الزراعي المغطى، تمثل إحدى الوسائل والحلول الهندسية والزراعية المهمة للحفاظ على خلو التربة من التملح والغرق، وحمايتها من التلف والتدهور. يضاف إلى ذلك الاهتمام بإنشاء مصدات الرياح الشجرية حول المزارع والحقول لحماية الزراعات من التأثيرات الميكانيكية للرياح الشديدة والعواصف الترابية التي قد تؤدي إلى تساقط الأزهار وتلف الثمار والإنتاج.
ولفت نقيب الفلاحين إلى استخدام بعض التكنولوجيات والوسائل الحديثة لحماية المحاصيل من التأثيرات المناخية والموجات الشديدة الحرارة، ومن بينها استخدام الشباك العاكسة والمركبات التي تعمل على عكس الضوء أو توزيعه بأسلوب علمي يساعد على حماية الثمار، خاصة محاصيل الفاكهة والبساتين، من الأضرار الناجمة عن التعرض المباشر والمكثف لأشعة الشمس الحارقة، والتي تؤدي في كثير من الأحيان إلى احتراق قشور الثمار أو تلفها وتراجع قيمتها التسويقية والصالحة للتصدير.
وشدد حسين أبو صدام على الأهمية القصوى للإرشاد الزراعي والتوعية الميدانية المستمرة خلال فترات التقلبات الجوية، لا سيما في أوقات ذروة الموجات المناخية، لتوعية المزارعين وتدريبهم على كيفية التعامل مع كل محصول، وتحديد مواعيد الري المناسبة بدقة، ومتى يجب ري الأرض ومتى ينبغي الامتناع التام عن الري تجنباً لاختناق الجذور أو تساقط الثمار وفقاً للظروف الجوية واحتياجات النبات المائية.
وعن المحاصيل الأكثر تأثراً واستجابة للتقلبات الجوية والمناخية، كشف نقيب الفلاحين عن وجود 3 محاصيل رئيسية في مقدمة الزراعات الأكثر تأثراً وحساسية، وهي محاصيل الخضراوات بوجه عام، نظراً لسرعة تلفها، ورهافة نسيجها النباتي، وحساسيتها الشديدة تجاه التغيرات الحرارية والمناخية المفاجئة. وجاءت المحاصيل الثلاثة كالآتي
1. الطماطم حيث تؤدي الموجات الحارة أو البرودة الشديدة إلى تساقط أزهارها وتوقف نموها وتراجع إنتاجيتها بشكل ملحوظ.
2. البطيخ والذي يتأثر سريعاً بالتغيرات الحرارية غير المنتظمة مما يؤثر على جودة الثمار وحجمها ونسبة السكريات بها.
3. الخيار وهو من المحاصيل الحساسة للغاية لتذبذبات الطقس والرطوبة، مما يجعله عرضة سريعة للإصابة بالآفات والأمراض الفطرية وتلف المحصول.
وفيما يتعلق بالبعد الاقتصادي والتصديري، كشف نقيب الفلاحين عن مؤشرات إيجابية تعكس قدرة القطاع الزراعي المصري على التماسك رغم هذه التحديات المناخية، حيث تصدر مصر سنوياً نحو 10 ملايين طن من الخضراوات والفواكه الطازجة إلى مختلف أسواق العالم. وأشار إلى أن حجم الصادرات الزراعية المصرية منذ بداية العام الجاري اقترب بالفعل من نحو 7 ملايين طن، وهو رقم قياسي يعكس القيمة الاستراتيجية الكبرى للإنتاج الزراعي المصري ودوره المحوري في دعم الاقتصاد القومي، وتوفير النقد الأجنبي، وتلبية احتياجات الأسواق المحلية والعالمية بكفاءة واقتدار.

Related Articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *