وفاء على
فى وقت تتسارع فيه الأزمات الدولية وتزداد فيه اضطرابات التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، باتت قضية الأمن الغذائى تتجاوز حدود الاقتصاد التقليدى لتتحول إلى ملف سيادى يرتبط مباشرة باستقرار الدول وقدرتها على مواجهة الصدمات الخارجية.
وفى مصر تتصاعد التحذيرات من اتساع الفجوة بين الإنتاج المحلى والاستهلاك، خاصة فى المحاصيل الاستراتيجية التى تعتمد عليها الدولة فى تأمين احتياجات ملايين المواطنين، وعلى رأسها القمح والذرة والزيوت.
ويرى خبراء اقتصاد وزراعة أن السنوات المقبلة ستكون حاسمة فى رسم ملامح قدرة الدولة المصرية على تقليل الاعتماد على الواردات، فى ظل التحديات المرتبطة بندرة المياه وارتفاع تكلفة الإنتاج الزراعى، إلى جانب التغيرات المناخية التى باتت تؤثر بصورة مباشرة على إنتاجية الأراضى الزراعية حول العالم.
وأكد محللون اقتصاديون أن تحقيق الأمن الغذائى لا يرتبط فقط بزيادة الرقعة الزراعية، وإنما يعتمد أيضا على وجود منظومة متكاملة تشمل التخزين والتسويق والتصنيع والبحث العلمى، إلى جانب توفير حوافز حقيقية للمزارعين تشجعهم على التوسع فى زراعة المحاصيل الاستراتيجية.
وقال الدكتور على الإدريسى الخبير الاقتصادى: إن ملف الاكتفاء الذاتى لم يعد رفاهية اقتصادية، بل أصبح جزءا أساسيا من منظومة الأمن القومى، موضحا أن الأزمات العالمية الأخيرة كشفت هشاشة الاعتماد المفرط على الأسواق الخارجية فى توفير السلع الاستراتيجية، خصوصا مع التقلبات الحادة فى أسعار الحبوب والشحن والطاقة.
وأضاف د. الإدريسى فى تصريحات لـ “الإيكونوميست المصرية” أن الدولة المصرية تمتلك فرصة حقيقية لتقليص فاتورة الاستيراد الزراعى إذا نجحت فى إعادة هيكلة أولويات الاستثمار داخل القطاع الزراعى، عبر توجيه مساحات أكبر من الأراضى الجديدة نحو المحاصيل الأساسية بدلا من التركيز الكامل على الزراعات التصديرية.
وأوضح الخبير الاقتصادى أن تحقيق التوازن بين التصدير وتأمين الاحتياجات المحلية يمثل المعادلة الأكثر أهمية خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع الزيادة السكانية المستمرة وارتفاع معدلات الاستهلاك سنويا.
وأشار د. الإدريسى إلى أن التوسع الأفقى وحده لن يكون كافيا لتحقيق طفرة حقيقية فى الإنتاج، مؤكدا أن رفع كفاءة الفدان من خلال التكنولوجيا الزراعية الحديثة والتقاوى المحسنة والبحث العلمى يمثل العامل الحاسم فى زيادة الإنتاجية.
كما شدد الخبير الاقتصادى على ضرورة التوسع فى مشروعات التخزين والصوامع لتقليل نسب الفاقد التى تستنزف جزءا كبيرا من المحاصيل سنويا، لافتا إلى أن تطوير منظومة التخزين لا يقل أهمية عن التوسع فى الزراعة نفسها.
من جانبه، أكد محمد فؤاد الخبير الاقتصادى؛ أن الاقتصاد المصرى يواجه تحديا مزدوجا يتمثل فى تأمين الغذاء، وفى الوقت نفسه تقليل الضغط على العملة الأجنبية، موضحا أن استيراد ملايين الأطنان من القمح والذرة سنويا يفرض أعباء ضخمة على الميزان التجارى ويزيد من حساسية الاقتصاد تجاه الأزمات الخارجية.
وأوضح فؤاد أن الوصول إلى معدلات آمنة من الاكتفاء الذاتى يتطلب وجود سياسة زراعية طويلة الأجل تعتمد على التخطيط العلمى وربط الإنتاج الفعلى باحتياجات السوق، بدلا من ترك حركة الزراعة رهينة لاجتهادات فردية أو تغيرات الأسعار الموسمية.
وأضاف الخبير الاقتصادى أن غياب قواعد واضحة للزراعة التعاقدية يؤدى فى كثير من الأحيان إلى خسائر متكررة للمزارعين، نتيجة التوسع العشوائى فى بعض المحاصيل ثم انهيار أسعارها مع زيادة المعروض.
وأشار فؤاد إلى أن دعم التصنيع الزراعى يمثل أحد المفاتيح الأساسية لحل أزمات الفائض الموسمى، موضحا أن تحويل الإنتاج الزراعى إلى صناعات غذائية يساهم فى تقليل الهدر وزيادة القيمة المضافة وفتح أسواق تصديرية جديدة.
ورأى الخبير الاقتصادى أن الاستثمار فى مصانع العصائر والتجفيف والمركزات الغذائية يمكن أن يحول جزءا كبيرا من الخسائر الحالية إلى عوائد اقتصادية مباشرة.
ولفت فؤاد إلى أن أزمة المياه ستظل العامل الأكثر تأثيرا على مستقبل التوسع الزراعى فى مصر، خاصة مع تراجع نصيب الفرد من المياه إلى مستويات تقل عن المعدلات العالمية الآمنة، مؤكدا أن الدولة مطالبة بالتوسع بصورة أكبر فى نظم الرى الحديثة والزراعة الذكية، مع تشجيع استخدام الأصناف الزراعية القادرة على تحمل الجفاف وارتفاع درجات الحرارة.
كما شدد الخبير الاقتصادى على أهمية إعادة تفعيل دور الإرشاد الزراعى والتعاونيات، باعتبارهما حلقة الوصل الأساسية بين الدولة والمزارعين، مشيرا إلى أن ضعف التوعية الزراعية يؤدى أحيانا إلى اختلالات كبيرة فى التركيبة المحصولية، وهو ما ينعكس سلبا على الأسعار والإنتاج فى الأسواق المحلية.




