ولاء جمال
فى ظل التحولات العالمية المتسارعة فى قطاع الطاقة، تتجه مصر بثبات نحو تبنى مصادر نظيفة ومستدامة، مستفيدة من موقعها الجغرافى ومواردها الطبيعية.
ويبرز التوسع فى الطاقة الشمسية وطاقة الرياح كخيار استراتيجى يدعم تحقيق التنمية، ويعزز أمن الطاقة، ويقلل الاعتماد على الوقود التقليدى.
وأكد الدكتور حافظ سلماوى، أستاذ هندسة الطاقة والرئيس التنفيذى الأسبق لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك، أن مصر تمتلك مقومات قوية فى قطاع الطاقة تمكنها من التوسع فى الاعتماد على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بما يسهم فى تقليل الاعتماد تدريجيا على مصادر الطاقة التقليدية، خاصة فى ظل ما يشهده العالم من أزمات متلاحقة وتقلبات حادة فى أسواق الطاقة وأسعار الوقود.
وأوضح د. سلماوى أن الدولة المصرية تتبنى استراتيجية واضحة ومحدثة للطاقة حتى عام 2040، تتم مراجعتها بشكل دورى كل خمس سنوات تقريبا، بما يضمن مواكبة التطورات العالمية فى التكنولوجيا وتغيرات أسعار الطاقة، وكذلك التغيرات الاقتصادية والبيئية.
وأضاف أن هناك فرقا جوهريا بين استراتيجية 2035 التى وضعت عام 2015، واستراتيجية 2040 الحالية، نتيجة التطور الكبير فى قطاع الطاقة المتجددة خلال السنوات الأخيرة، مشيرا إلى أن تكلفة إنتاج الطاقة الشمسية شهدت انخفاضا كبيرا يصل إلى نحو 77%، بينما انخفضت تكلفة طاقة الرياح بنحو 27%، وهو ما جعل الاتجاه العالمى ومن ضمنه مصر، يميل بشكل واضح نحو الاعتماد على هذه الطاقة النظيفة بدلا من الفحم والوقود الأحفورى.
وشدد أستاذ هندسة الطاقة على أن التوجه الحالى داخل مصر لم يعد يضع الفحم ضمن أولويات إنتاج الكهرباء، بل أصبح الاعتماد الأساسى على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، باعتبارهما المصدرين الأكثر استقرارا واستدامة على المدى الطويل مع وجود مصادر مساندة أخرى مثل الطاقة النووية.
وأضاف د. سلماوى أن مفهوم الطاقة المتجددة لا يقتصر فقط على الطاقة الشمسية كما يعتقد البعض، وإنما يشمل أيضا طاقة الرياح والكتلة الحيوية وغيرها من المصادر النظيفة، إلا أن مصر تعتمد بشكل رئيسى على الشمس والرياح نظرا لملاءمتهما للبيئة الجغرافية والمناخية.
وأوضح أن الاستراتيجية المصرية تستهدف الوصول إلى نحو 65% من إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة بحلول عام 2040، وهو ما يعكس تحولا جذريا فى هيكل الطاقة داخل الدولة، كما تستهدف الدولة الوصول إلى نحو 42% طاقة نظيفة بحلول عام 2030، تشمل الطاقة المتجددة والطاقة النووية، بحيث تمثل الأخيرة حوالى 12% من إجمالى الإنتاج نظرا لكونها طاقة خالية من الانبعاثات.
وفيما يتعلق بالقدرات الإنتاجية، أشار أستاذ هندسة الطاقة إلى أن مصر تستهدف الوصول إلى نحو 5700 ميجاوات من الطاقة الشمسية بحلول عام 2030، بالإضافة إلى حوالى 12400 ميجاوات من طاقة الرياح. ومع التوسع المستقبلى من المتوقع أن تصل الطاقة الشمسية إلى نحو 24 ألف ميجاوات بحلول عام 2040، بينما تصل طاقة الرياح إلى قرابة 41 ألف ميجاوات.
ولفت إلى أن هناك تركيزا أكبر على طاقة الرياح مقارنة بالطاقة الشمسية، نظرا لقدرتها على الإنتاج على مدار اليوم، بعكس الطاقة الشمسية التى تعتمد على ساعات النهار فقط، وهو ما يجعل الدمج بين المصدرين ضرورة لضمان استقرار الشبكة الكهربائية.
وأكد د. سلماوى أن دمج الطاقة الشمسية مع طاقة الرياح يحقق توازنا مهما فى منظومة الكهرباء، حيث يعوض كل مصدر انخفاض الآخر فى أوقات معينة، مما يضمن استمرارية التغذية الكهربائية ويقلل من احتمالات عدم الاستقرار فى الشبكة.
وشدد على أن التحدى الأكبر لا يكمن فقط فى إنشاء المحطات، وإنما فى تطوير شبكة الكهرباء لتكون قادرة على استيعاب هذه القدرات الضخمة من الطاقة المتجددة، والتى تختلف فى طبيعتها عن المحطات التقليدية المعتمدة على الوقود الأحفورى.
وأوضح أن نجاح هذه الاستراتيجية يتطلب جذب المزيد من الاستثمارات، وتطوير البنية التحتية، وتحديث أنظمة إدارة الشبكات الكهربائية، بما يضمن التشغيل بكفاءة عالية دون التأثير على استقرار المنظومة.
وأكد أستاذ هندسة الطاقة أن الطاقة المتجددة تضاف بشكل تراكمى وليس دفعة واحدة، وهو ما يتطلب رؤية طويلة المدى واستمرارية فى التنفيذ، مشيرا إلى أن العالم كله يتجه نحو الطاقة النظيفة بسبب ما توفره من استقرار فى التكلفة، مقارنة بالتقلبات الحادة التى يشهدها الوقود التقليدى المرتبط بالسياسة والأسواق العالمية.
من جانبه، ذكر الدكتور عبد النبى عبد المطلب، الخبير الاقتصادى، أن الحديث عن التوسع فى استخدام الطاقة الجديدة والمتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة المائية، يمثل توجها مهما، لكنه يرتبط بعدة اعتبارات عملية واقتصادية؛ فهذه المصادر رغم أهميتها واستدامتها، فإنها تحتاج لاستثمارات كبيرة حتى تحقق جدوى حقيقية وتوفر بديلا فعالا للطاقة التقليدية.
وأشار د. عبد المطلب إلى أن الاستفادة الكاملة من الطاقة المتجددة تتطلب تنفيذ مشروعات على نطاق واسع، وليس الاعتماد على الاستخدامات الفردية المحدودة؛ ففكرة أن يتمكن فرد يسكن فى شقة أو فيلا صغيرة من الاعتماد الكامل على الطاقة الشمسية لتلبية احتياجاته من الكهرباء، مازالت غير عملية فى الوقت الحالى نظرا لارتفاع تكلفة الخلايا الشمسية، إلى جانب تكاليف الصيانة، ومحدودية عمر بطاريات التخزين التى تعد عنصرا أساسيا فى هذه المنظومة.
وأضاف الخبير الاقتصادى أن التحديات لا تقتصر فقط على التكلفة، بل تمتد إلى عوامل أخرى مثل محدودية المساحات، خاصة فى المناطق السكنية داخل المدن والقرى، حيث يصعب توفير مساحات كافية لتركيب الألواح الشمسية بشكل يحقق إنتاجا مناسبا من الكهرباء، كما أن تركيب هذه الأنظمة يتطلب استخدام أسطح المبانى، وهو ما قد يثير مشكلات تتعلق بالتوافق بين السكان أو ملاك العقار، فضلا عن الحاجة إلى إدارة جماعية للصيانة والتشغيل، وهو ما لا يتوفر بسهولة فى الوقت الراهن.
وأشار إلى أن الطاقة الشمسية تصبح أكثر جدوى وفاعلية عند تطبيقها فى المشروعات الكبيرة، مثل المدن الجديدة أو المجتمعات العمرانية المتكاملة، حيث يمكن إنشاء محطات مركزية لتوليد الكهرباء بالطاقة الشمسية وتوزيعها على نطاق واسع، كما يمكن استخدامها بكفاءة فى المناطق الصناعية الكبرى، أو فى المشروعات الزراعية واسعة النطاق، حيث تتوافر المساحات اللازمة وتكون القدرة على تحمل التكلفة الاستثمارية أكبر.
وأوضح د. عبد المطلب أن هذه النماذج تتيح تحقيق وفورات اقتصادية حقيقية، كما تسهم فى تقليل الضغط على شبكة الكهرباء التقليدية، وتدعم التوجه نحو استخدام مصادر طاقة نظيفة ومستدامة.
ومع ذلك، شدد الخبير الاقتصادى على أن تعميم استخدام الطاقة الشمسية على المستوى الفردى مازال يواجه تحديات تتعلق بالتكلفة والجدوى الاقتصادية، موضحا أن مستقبل الطاقة المتجددة فى مصر واعد، لكنه يتطلب تخطيطا دقيقا، وتوسيع نطاق المشروعات الكبرى، إلى جانب العمل على خفض تكاليف التكنولوجيا وتوفير آليات تمويل ميسرة، بما يسمح بتوسيع قاعدة المستفيدين منها تدريجيا.




