وفاء على
تسعى الحكومة المصرية إلى تعزيز مكانة الاقتصاد المصرى على خريطة الاقتصاد العالمى، وتواصل الدولة الدفع باتجاه فتح مسارات تعاون جديدة مع القوى الاقتصادية الكبرى، بما يواكب التغيرات العميقة التى يشهدها النظام الاقتصادى الدولى.
وتأتى هذه الجهود فى وقت تتزايد فيه أهمية تأمين سلاسل الإمداد خاصة فى ما يتعلق بالسلع الاستراتيجية وعلى رأسها الحبوب والطاقة باعتبارهما من أهم محددات الاستقرار الاقتصادى فى المرحلة الراهنة.
وتعكس هذه التحركات توجهًا واضحًا نحو بناء شراكات ذات طابع استراتيجى طويل المدى لا تقتصر على تبادل تجارى تقليدى بل تمتد إلى تطوير بنية لوجستية وصناعية قادرة على دعم الأمن الغذائى وتعزيز دور مصر كمركز إقليمى لإعادة توزيع السلع الحيوية فى ظل بيئة عالمية تتسم بتقلبات حادة وضغوط متزايدة على الأسواق.
وتأتى فى مقدمة هذه التحركات الرؤية المرتبطة بإنشاء مراكز متقدمة للحبوب والطاقة داخل الأراضى المصرية.
وفى هذا السياق أكد الدكتور على الإدريسى، الخبير الاقتصادى أن التوجه نحو إنشاء مركز عالمى للحبوب والطاقة فى مصر يمثل خطوة استراتيجية بالغة الأهمية، تعكس تحولًا جوهريًا فى طبيعة الدور الاقتصادى للدولة داخل النظام العالمى.
وأوضح أن مصر لم تعد تتحرك فقط باعتبارها دولة مستوردة للسلع الأساسية بل باتت تمتلك رؤية أوسع تستهدف التحول إلى مركز إقليمى لإدارة سلاسل الإمداد، بما يعزز من قدرتها على مواجهة تقلبات الأسواق العالمية ويدعم استقرار منظومة الأمن الغذائى على المدى الطويل.
وأشار الإدريسى إلى أن هذا التحول يرتبط بشكل مباشر بقدرة الدولة على توظيف موقعها الجغرافى المتميز خاصة فى ظل وجود قناة السويس التى تمثل أحد أهم الممرات التجارية فى العالم وهو ما يفتح المجال أمام القاهرة لتصبح نقطة ارتكاز رئيسية فى حركة التجارة الدولية للحبوب والطاقة، مضيفًا أن هذا النوع من المشروعات يساهم فى خلق قيمة مضافة للاقتصاد الوطنى من خلال أنشطة التخزين وإعادة التصدير والتصنيع المرتبط بالسلع الاستراتيجية.
من جانبه، أكد الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادى أن أهمية هذه الخطوة لا تنبع فقط من بعدها الاقتصادى المباشر وإنما من كونها تأتى فى توقيت عالمى بالغ الحساسية تتزايد فيه حدة المنافسة على تأمين مصادر الغذاء والطاقة.
ولفت إلى أن مصر تمتلك مقومات حقيقية تؤهلها للعب دور محورى فى هذا المجال سواء من حيث البنية التحتية أو الموقع الجغرافى أو العلاقات الاقتصادية المتوازنة مع عدد من القوى الدولية.
وأضاف فؤاد أن الاتجاه نحو إنشاء مراكز لوجستية متقدمة داخل مصر يعكس تحولًا فى فلسفة إدارة الاقتصاد الوطنى من الاعتماد على الاستيراد التقليدى إلى تبنى نموذج أكثر تكاملًا يقوم على الإدارة والتشغيل وإعادة التوزيع.
وأوضح أن هذا النموذج يتيح للدولة فرصًا أكبر لتحقيق الاستقرار فى المخزون الاستراتيجى من السلع الأساسية وتقليل التأثر بالصدمات الخارجية الناتجة عن الأزمات الدولية.
وفى سياق متصل، أشار خبراء اقتصاديون إلى أن هذا التوجه يعزز من قدرة مصر على جذب استثمارات نوعية فى قطاعات النقل والتخزين والطاقة، خاصة فى ظل سعى العديد من الشركات العالمية إلى إعادة تموضع سلاسل التوريد بعيدًا عن مناطق التوتر، كما يرون أن هذا المسار يفتح المجال أمام تحويل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى مركز عالمى متكامل للصناعة والخدمات اللوجستية.
وبذلك، يتضح أن التحركات الاقتصادية الأخيرة تعكس رؤية استراتيجية متكاملة تستهدف إعادة صياغة دور مصر فى الاقتصاد العالمى، ليس فقط كمستهلك أو مستورد وإنما كفاعل رئيسى فى إدارة واحدة من أهم القضايا الاقتصادية فى العصر الحديث، وهى قضية الأمن الغذائى والطاقة.




