ولاء جمال
تزامنا مع تسارع التحول الرقمى عالميا، بات الذكاء الاصطناعى لاعبا رئيسيا فى رسم مستقبل الاقتصاد المصرى، من المصانع والطاقة إلى الزراعة والقطاع المالى.
وبينما تتجه الدولة إلى توطين هذه التكنولوجيا، يبرز السؤال الأهم هل تنجح مصر فى تحويل الذكاء الاصطناعى من مجرد أداة لتحسين الأداء إلى محرك حقيقى للإنتاج والاستثمار والتصدير وخلق فرص عمل جديدة؟
أكد الدكتور حسام الغايش خبير أسواق المال ودراسات الجدوى الاقتصادية، أن الذكاء الاصطناعى لم يعد مجرد تقنية حديثة ترتبط بالتطبيقات الرقمية أو المساعدات الإلكترونية، وإنما أصبح أحد أهم محركات التحول الاقتصادى والصناعى عالميا، مشيرا إلى أن الدول القادرة على توظيف هذه التكنولوجيا بصورة صحيحة ستكون أكثر قدرة على رفع الإنتاجية، وخفض تكاليف التشغيل، وتحسين جودة المنتجات والخدمات، وخلق صناعات جديدة ومصادر إضافية للنمو.
وقال د. الغايش إن أهمية الذكاء الاصطناعى بالنسبة لمصر تتزايد فى ظل ضخامة السوق المحلية، وتنوع القاعدة الصناعية، وتوافر قاعدة بشرية كبيرة، إلى جانب الموقع الجغرافى المتميز واتساع القطاعات الاقتصادية التى يمكن أن تستفيد من تحليل البيانات والأتمتة ودعم اتخاذ القرار.
وأوضح أن القضية لم تعد مرتبطة بسؤال ما إذا كانت مصر ستستخدم الذكاء الاصطناعى من عدمه، وإنما أصبحت مرتبطة بكيفية تحويل هذه التكنولوجيا من مجرد أدوات مستوردة إلى وسيلة لإنتاج القيمة، ورفع تنافسية الاقتصاد المصري، وزيادة قدرته على جذب الاستثمارات والتوسع فى الأسواق الخارجية.
وأشار إلى أن مصر وضعت استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعى للفترة من 2025 إلى 2030، ترتكز على عدد من المحاور من بينها الحوكمة، والتكنولوجيا، والبيانات، والبنية التحتية، والمنظومة الاقتصادية، وتنمية الكفاءات، بما يستهدف بناء منظومة وطنية قادرة على دعم استخدامات الذكاء الاصطناعى فى مختلف القطاعات، إلى جانب تعزيز صناعة التكنولوجيا وتشجيع الشركات الناشئة وتنمية المهارات المتخصصة.
وأضاف أن القطاع الصناعى يأتى فى مقدمة المجالات التى يمكن أن تحقق مصر من خلالها عائدا اقتصاديا مباشرا من الذكاء الاصطناعي، خاصة أن التكنولوجيا تتيح الانتقال من الإدارة التقليدية للمصانع إلى إدارة تعتمد على البيانات والتنبؤ واتخاذ القرار فى الوقت المناسب.
وأوضح خبير أسواق المال ودراسات الجدوى الاقتصادية أن الذكاء الاصطناعى يمكنه تحليل بيانات خطوط الإنتاج بصورة مستمرة، واكتشاف المؤشرات التى تسبق حدوث الأعطال، بما يسمح بإجراء الصيانة قبل توقف المعدات، وهو ما يمثل أهمية كبيرة للصناعات التى يترتب على توقف خطوط إنتاجها خسائر مرتفعة، مثل الصناعات الغذائية والدوائية والأسمنت والحديد والصلب والبتروكيماويات والغزل والنسيج.
وأشار إلى إمكانية الاعتماد على الذكاء الاصطناعى فى مراقبة جودة المنتجات من خلال تحليل الصور والبيانات واكتشاف العيوب بصورة أسرع وأكثر دقة، الأمر الذى يساهم فى خفض نسب الهالك، وتحسين جودة المنتجات، وتقليل تكاليف الإنتاج، وتعزيز القدرة التنافسية للصناعة المصرية محليا وخارجيا.
ولفت إلى أن الأهم هو قدرة الذكاء الاصطناعى على زيادة إنتاجية الأصول القائمة، بدلا من الاعتماد فقط على ضخ استثمارات جديدة وشراء معدات إضافية، حيث يمكن تحليل البيانات لمعرفة كيفية زيادة الإنتاج باستخدام المعدات الموجودة، وتحسين استهلاك الطاقة والمواد الخام وتقليل أوقات التوقف.
وأكد أن قطاع الطاقة يمكن أن يستفيد بصورة كبيرة من الذكاء الاصطناعى، خاصة مع ارتفاع أهمية تكلفة الطاقة بالنسبة إلى مختلف الصناعات، موضحا أن تحليل أنماط استهلاك الكهرباء والوقود يساعد على تحديد أسباب ارتفاع الاستهلاك واكتشاف المعدات التى تتجاوز معدلات الاستهلاك الطبيعية، بما يتيح وضع خطط تشغيل أكثر كفاءة.
وأضاف د. الغايش أن الذكاء الاصطناعى يستطيع كذلك دعم محطات الكهرباء ومشروعات الطاقة المتجددة من خلال التنبؤ بالطلب وتحسين إدارة الإنتاج والتوزيع والاستفادة من مصادر الطاقة المتاحة، مؤكدًا أن خفض تكلفة الطاقة لا ينعكس فقط على الشركات، وإنما يعزز تنافسية الاقتصاد ككل.
وفى القطاع الزراعي، أوضح أن الذكاء الاصطناعى يمثل أداة مهمة لمواجهة محدودية الأراضى والمياه، من خلال تحليل بيانات التربة والمناخ وصور الأقمار الصناعية، وتحديد المحاصيل الأكثر ملاءمة لكل منطقة، وتقدير الاحتياجات المائية، واكتشاف الأمراض الزراعية فى مراحل مبكرة.
وأكد أن هذه التطبيقات يمكن أن تساعد كذلك فى التنبؤ بالإنتاج والأسعار والطلب، بما يدعم قرارات المزارعين والجهات الحكومية المتعلقة بالتركيب المحصولى والتسويق والتخزين، مشيرا إلى أن زيادة الإنتاج الزراعى فى مصر لا تعتمد فقط على التوسع الأفقى، وإنما أيضا على رفع إنتاجية وحدة الأرض والمياه.
وأشار إلى أن الموقع الجغرافى لمصر يمنحها فرصة كبيرة للتحول إلى مركز إقليمى للنقل والخدمات اللوجستية، إلا أن تحقيق ذلك يتطلب رفع كفاءة إدارة الموانئ والطرق والمخازن وسلاسل الإمداد، موضحا أن الذكاء الاصطناعى يمكنه تحليل حركة الشحن والتجارة، والتنبؤ بالطلب، وتحسين مسارات النقل، وتقليل أوقات الانتظار فى الموانئ والمخازن، بما يؤدى إلى خفض تكلفة نقل السلع وينعكس على تكلفة الإنتاج والتجارة والأسعار.
وعلى مستوى القطاع المالي، أكد أن الذكاء الاصطناعى يتيح إمكانات واسعة فى تقييم الجدارة الائتمانية، وتحليل سلوك العملاء، واكتشاف العمليات غير الطبيعية، ومكافحة الاحتيال، وتحسين إدارة المخاطر.
وأضاف خبير أسواق المال ودراسات الجدوى الاقتصادية أن استخدام هذه الأدوات يمكن أن يساعد فى توسيع نطاق تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، من خلال تحسين القدرة على تقييم المخاطر، كما يمكن أن يدعم جهود دمج الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية داخل الاقتصاد الرسمى من خلال بناء قواعد بيانات وسجلات ائتمانية أكثر دقة.
وشدد على أن نجاح مصر فى الاستفادة من الذكاء الاصطناعى لن يتوقف على التكنولوجيا وحدها، وإنما يرتبط بدرجة كبيرة بقدرتها على تأهيل العنصر البشري.
وأوضح أن بعض الوظائف والمهام قد تتراجع مع انتشار الأتمتة، فى مقابل ظهور وظائف جديدة تتطلب مهارات مختلفة، وهو ما يجعل تطوير التعليم والتدريب ضرورة أساسية، خاصة فى مجالات تحليل البيانات والبرمجة والتفكير النقدى والهندسة والإدارة والتعامل مع الأدوات الذكية.
وأكد د. الغايش أن الهدف لا يجب أن يكون تخريج متخصصين فى الذكاء الاصطناعى فقط، وإنما رفع مستوى المعرفة بهذه التكنولوجيا لدى العاملين فى مختلف القطاعات، لأن المهندس والمحاسب والطبيب والمزارع والمسؤول الحكومى والمدير المالى سيحتاجون جميعًا، بدرجات مختلفة، إلى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعى فى أعمالهم.
ولفت إلى أن الفرصة الأكبر أمام مصر تتمثل فى الانتقال من مجرد استخدام حلول الذكاء الاصطناعى إلى إنتاج وتصدير هذه الحلول، خاصة فى ظل امتلاك مصر قاعدة بشرية كبيرة، وسوقًا محلية واسعة، وموقعًا يؤهلها لخدمة الأسواق العربية والأفريقية.
وقال إن الاستثمار فى تدريب الكوادر وتطوير البرمجيات والحلول الذكية باللغة العربية ودعم الشركات الناشئة يمكن أن يحول الذكاء الاصطناعى إلى قطاع اقتصادى قابل للتصدير، خصوصًا فى مجال الخدمات القائمة على المعرفة، لافتا إلى أن الذكاء الاصطناعى يمثل فرصة تاريخية لإعادة صياغة نموذج النمو الاقتصادى المصري، من خلال رفع إنتاجية الصناعة، وترشيد استهلاك الطاقة والمياه، وتحسين الزراعة والخدمات الحكومية والقطاع المالى والنقل، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة.
وشدد على أن نجاح التجربة لن يقاس بعدد الأنظمة الذكية التى يتم إطلاقها، وإنما بحجم القيمة الاقتصادية التى تضيفها التكنولوجيا إلى الإنتاجية والاستثمار والصادرات وفرص العمل وجودة الخدمات، مؤكدا أن التحدى الحقيقى أمام مصر هو تحويل الذكاء الاصطناعى من أداة تكنولوجية إلى محرك فعلى للنمو والتنافسية، ومن فرصة عالمية متاحة للجميع إلى ميزة اقتصادية تستطيع مصر من خلالها تعزيز مكانتها إقليميا ودوليا.
من جانبه، أكد الدكتور ياسين أحمد الخبير الاقتصادى، أن القطاعات الإنتاجية والتنموية فى مصر تشهد تحولا متسارعا تقوده تطبيقات الذكاء الاصطناعى، التى لم تعد تندرج تحت بند الرفاهية التكنولوجية، وإنما أصبحت عنصرا أساسيا فى تعزيز الإنتاجية، وخفض معدلات الهدر، ورفع كفاءة استخدام الموارد، وذلك فى إطار توجه الدولة نحو توطين التكنولوجيا ودعم مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعى.
وقال د. ياسين إن القطاع الصناعى يأتى فى مقدمة القطاعات المستفيدة من التطور المتسارع فى تطبيقات الذكاء الاصطناعي، خاصة مع الاعتماد على تقنيات الثورة الصناعية الرابعة داخل خطوط الإنتاج، موضحا أن أنظمة الرؤية الحاسوبية أصبحت قادرة على اكتشاف الأخطاء وعيوب المنتجات بصورة أكثر دقة وسرعة، بما يسهم فى تحسين جودة المنتجات ورفع قدرتها على المنافسة فى الأسواق المحلية والعالمية.
وأضاف أن خوارزميات الصيانة التنبؤية تمثل أحد أبرز تطبيقات الذكاء الاصطناعى فى القطاع الصناعي، حيث تتيح تحليل أداء المعدات والآلات والتنبؤ بالأعطال قبل وقوعها، وهو ما يساعد المصانع على تقليل تكاليف الصيانة والإصلاح، وتجنب التوقفات المفاجئة التى قد تؤثر على الإنتاج وسلاسل الإمداد، فضلًا عن تحقيق استفادة أكبر من الأصول والمعدات.
وأشار الخبير الاقتصادى إلى أن الزراعة تمثل أحد المجالات الحيوية التى يمكن أن تحقق استفادة كبيرة من الذكاء الاصطناعي، خاصة فى ظل التحديات المرتبطة بالمياه والأمن الغذائي، لافتا إلى أن استخدام أجهزة الاستشعار الذكية وتحليل البيانات الضخمة والاستشعار عن بُعد يمكن أن يساعد فى تحديد الاحتياجات الفعلية للمحاصيل من المياه، وبالتالى تحسين كفاءة عمليات الرى وتقليل معدلات الإسراف.
وأوضح أن هذه التطبيقات يمكن أن تمتد أيضا إلى الاستخدام الأكثر كفاءة للأسمدة والمبيدات من خلال تحديد احتياجات الأراضى والمحاصيل بصورة أكثر دقة، وهو ما يدعم زيادة الإنتاجية وتقليل التكلفة وتحقيق قدر أكبر من الاستدامة فى القطاع الزراعي.
وفى قطاع الطاقة، أوضح د. ياسين أن الذكاء الاصطناعى يمكن أن يؤدى دورا محوريا فى رفع كفاءة شبكات الكهرباء، من خلال التنبؤ بمعدلات الاستهلاك وإدارة الأحمال بصورة أكثر كفاءة، إلى جانب دعم دمج مصادر الطاقة المتجددة، فضلا عن استخدام تقنيات تحليل البيانات فى قطاع البترول والغاز لتسريع عمليات البحث والاستكشاف وتحليل البيانات الجيولوجية.
ولفت إلى أن القطاع اللوجستى يمثل مجالا آخر مهما لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، خاصة مع سعى مصر إلى تعزيز مكانتها كمركز إقليمى للتجارة والنقل، حيث يمكن توظيف التكنولوجيا فى إدارة حركة الموانئ، وتحسين عمليات التخليص الجمركي، ورفع كفاءة الموانئ الجافة وسلاسل الإمداد.
وعلى مستوى القطاع المالي، أكد أن خوارزميات التقييم الائتمانى ومكافحة الاحتيال تفتح آفاقا جديدة أمام التكنولوجيا المالية، وتسهم فى تسهيل وصول المشروعات الصغيرة والمتوسطة إلى التمويل، بما يدعم الشمول المالى ويعزز قدرة الاقتصاد على دمج شرائح جديدة فى المنظومة المالية.
وشدد الخبير الاقتصادى على أن تحقيق أقصى استفادة من الذكاء الاصطناعى يتطلب التعامل مع عدد من التحديات، وفى مقدمتها ارتفاع تكلفة البنية التحتية التكنولوجية، وتأهيل وتدريب الكوادر البشرية، مؤكدا أن نجاح تجربة الذكاء الاصطناعى لا يقاس فقط بامتلاك أحدث البرمجيات، وإنما بمدى القدرة على تحويل البيانات إلى قيمة اقتصادية حقيقية تسهم فى زيادة الإنتاجية، ورفع مساهمة القطاعات المختلفة فى الناتج المحلى الإجمالي، وخلق وظائف نوعية تتناسب مع متطلبات اقتصاد المعرفة.




