فاطمة إبراهيم
أعادت قضية المقاولات والاستيلاء على الأموال التي وقعت في المنوفية والقاهرة، الذاكرة لقضايا مستريح التبين ومستريح السيارات وغيرها.
ويُطلق مصطلح “المستريح” فى الشارع المصرى وعلى الصعيد الإعلامى على هؤلاء المتورطين فى جرائم الاستيلاء على أموال المواطنين بدعوى توظيفها، وتحقيق عوائد سريعة.
فما السبب فى عودة هذه الظاهرة من وقتٍ لآخر؟ وكيف يمكن السيطرة عليها؟ وهل العقوبة الجنائية وحدها قادرة على تحجيم هذه الظاهرة؟ وما دور البنوك ووسائل الإعلام فى السيطرة على ظاهرة “المستريح”؟
تمكنت مباحث التجمع الأول فى أواخر أغسطس 2026 من القبض على متهم استولى على قرابة 133 مليون جنيه من مواطنين بقريتى “بنى غريان” و”كفر هلال” بالمنوفية.
وأكد الخبراء أن ظاهرة “المستريح” تمثل عمليات نصب مالى واحتيال لتوظيف أموال المواطنين خارج القنوات المصرفية الرسمية بوعود وهمية لتحقيق ثروات سريعة وأرباح خيالية، ولم يقتصر الأمر على الرجال، بل دخلت عناصر نسائية فى عمليات النصب معتمدين على الإغراء بتقديم أرباح أولية منتظمة وسريعة لكسب ثقة الضحايا وجذب أموال مودعين جدد.
ومن أمثلة ظاهرة “المستريحات” قضية البدارى (أسيوط – يوليو2026) والجيزة (جمع العملات 2202 ) وشبرا القاهرة، وقضية المديرة التنفيذية بشركة استثمار وهمية (أكتوبر – سبتمبر 2025).
وأوضح الخبراء لـ “الإيكونوميست المصرية” أن استمرار الظاهرة ترجع إلى الإغراءات التى يقدمها النصاب، مستغلا جهل وعدم وعى الضحية، وطمعها فى آن واحد، فضلا عن أن تراجع القوة الشرائية تدفع بعض الأفراد للبحث عن مكاسب مالية سريعة .
وقد وجه مسئولو الدولة انتقادات وإنذارات حادة لهذه الممارسات غير القانونية، كما أطلقت وزارة الأوقاف قوافل دعوية وتوعوية للتحذير من مخاطر الاحتيال المالى وأثره المدمرعلى المجتمع .
وتمكنت مباحث التجمع الأول فى أواخر أغسطس 2026 من القبض على متهم استولى على قرابة 133 مليون جنيه من مواطنين بقريتى “بنى غريان” و”كفر هلال” بالمنوفية، حيث قام بإغراء الضحايا بنسبة أرباح تصل إلى 40% بزعم استثمارها فى شركة مقاولات كبرى. وعند تعثره، عرض تسوية غريبة على أحد الضحايا بمنحه حصاناً كتعويض .
مستريح التبين (الحديد والأسمنت)، حيث ألقت الأجهزة الأمنية القبض عليه بعد استيلائه على 55 مليون جنيه من المواطنين بعد إيهام المواطنين باستثمار أموالهم فى قطاع مواد البناء وتحديداً الحديد والأسمنت مقابل عوائد مالية كبيرة.
وتم تأييد الحكم على “مستريح السيارات” (أمير الهلالي)، حيث شهدت المحاكم فى أواخر يوليو وأغسطس 2026 تأييد محكمة مستأنف القاهرة الجديدة لحبس رجل الأعمال أمير الهلالى الشهير بـ “مستريح السيارات” لمدة 33 عاماً فى 11 قضية نصب واحتيال جديدة.
تبين استيلاؤه على أكثر من 95 مليون جنيه تزامنًا مع ملاحقته فى قضايا غسل أموال أخرى مستريح الاستثمار الزراعى والحيوانى وأصدر النائب العام فى نهاية أغسطس 2026 قراراً بالمنع من التصرف فى الأموال وإحالة متهم “هارب” للجنايات الاقتصادية.
مستريح “التايم شير” والعقارات الفندقية، حيث تم فحص بلاغات متعددة ضد صاحب شركة عقارية شهيرة “سانى دايز” بتهمة النصب على المواطنين بزعم بيع وحدات فندقية بنظام التايم شير فى القاهرة والمحافظات الساحلية.
الدكتور محمد بدرة الخبير المصرفى، أكد أن ظهور “ظاهرة المستريح ” من وقتٍ لآخر، سببها فى الأساس الجهل، حيث يجتذب الجاني أفرادا ليس لديهم خبرة فى التعامل مع الجهاز المصرفي، أو بدائل الجهاز المصرفي، مشيرا إلى أنه يستغل جهل العملاء فى وجود خدمات آمنة لدى الجهاز المصرفى أو الشركات المصرح لها بذلك.
وتلعب البنوك دوراً أساسياً فى مكافحة ظاهرة “المستريح” (توظيف الأموال غير المرخص) عبر توفير قنوات استثمارية شرعية وآمنة، ورفع الوعى المالى للمواطنين، كما توفر البنوك شهادات ادخار وأوعية استثمارية بعوائد تنافسية ومضمونة قانونياً لحماية أموال الأفراد، وتعمل البنوك على دمج الفئات غير المشمولة مالياً داخل القطاع الرسمى لتسهيل المعاملات، وتطلق البنوك والجهات المصرفية حملات توعية لتحذير المواطنين من مخاطر الانسياق وراء وعود الأرباح الوهمية وغير الواقعية.
وأضاف بدرة أن النصاب يستغل ظاهرة الطمع عند العميل، حيث يكسبه مرة بعد مرة بالرغم من التوعية التى تقوم بها الأجهزة الإعلامية، حيث إن الجهل والطمع هما المحركان الرئيسيان لظهور “المستريح” من وقتٍ لآخر، مشيرا إلى أن السيطرة على هذه الظاهرة تكون من خلال الإعلام، بحيث يكون لدينا حملات ووسائل إعلامية مستمرة، فالمشكلة أن الحملات الإعلامية تكون لفترات محدودة وتنتهى.
ولفت إلى أن ذلك يشبه الحملات الإعلامية التى قام اتحاد المصارف بها عن عدم الإفصاح عن بياناتك المالية لأى متحدث بالهاتف، مشيرا إلى أننا بحاجة إلى حملات مثل هذه منظمة وتستمر طول العام، لكن بمجرد ما تنتهى الحملة يبدأ نشاط “المستريحين”، بالإضافة إلى توافر منتجات مصرفية ذات عائد مقبول ومُرضٍ يتناسب مع معدلات التضخم الحالية.
من جهته، قال كرم سليمان الخبير المصرفى إن ظاهرة توظيف الأموال أو ما يعرف فى مصر بالمستريحين ليست جديدة وتظهر كل فترة لاسيما فى الفترات التى تبدأ فيها معدلات العائد فى البنوك تنخفض ومع ارتفاع تكلفة المعيشة، فيبدأ أصحاب الدخول الثابتة وأصحاب المعاشات يبحثون عن دخول إضافية، أو أصحاب المشروعات الصغيرة الراغبون فى تحقيق مكسب سريع.
ولفت الخبير المصرفى إلى أن المستريح يبحث عن هذه النوعية ويعطى لها عائدا مرة واثنين وخمسة، يكون مغريا بالنسبة لها بالمقارنة بربح التجارة أو فائدة البنوك، وخلال شهرين أو ثلاثة ويختفى هذا المستريح، وتضيع رؤوس الأموال، فالناس تلجأ لذلك نتيجة عدم وعى أو طمع ومع ضغط الحاجة يذهبون لـ “المستريح” مع الغفلة عن حجم المخاطرة العالي، ومعرض لخسارة أمواله بالكامل، فطالما وجد الطمع وجد النصاب.
واقترح طرح أوعية ادخارية ذات عائد مميز لأصحاب المعاشات، لأنه ليس لديه الفرصة فى عمل أى ظيفة أخرى، فتوفير منتج بعائد ثابت 20% يكون مرضيا له، مع التوعية من خلال السوشيال ميديا من خلال القصص ليصل لأكبر عدد من الأفراد، ويمكن عرض ذلك من خلال الدراما الاجتماعية عن قصة أسرة وضعت أموالها مع مستريح وخسرها.
وعن العقوبات القانونية، قال سليمان إن القانون لا يمنع الجريمة ولا يمنع النصابين، حتى مع تغليظ العقوبة فإننا نسمع عن الحادثة ولا نعرف مصيره بعد ذلك، ولا يتم بعد ذلك الإعلان عن العقوبة مشيرا إلى ضرورة تسليط الضوء على العقوبات، من خلال وسائل الإعلام والدراما .
من جانبه، أشار الدكتور وليد جاب الله الخبير الاقتصادى إلى أن ظاهرة المستريحين تقوم على إغراء الأفراد بنسب فوائد مرتفعة أكثر من البنوك، وبأرقام غير طبيعية، هذا موجود ولن يتنهي، حيث يستغل هؤلاء المجرمون عدم الوعى وضعف الثقافة لدى البعض وإيهامهم بوجود مشروعات تحقق أرباحا فلكية، فهذا الأمر كان يمكن تصوره فى فترات تراجع أسعار العائد بالبنوك، لكن الغريب أنه مع ارتفاع مستويات أسعار الفائدة بالبنوك حتى أن بعض الشهادات وصلت إلى 25% إلا أننا وجدنا البعض يلجأ إلى هؤلاء الأشخاص ربما لقدرتهم على إقناع عملائهم، أو استغلال الطمع عند هؤلاء الأشخاص.
ولفت إلى أنه يمكن الحد من هذه الظاهرة من خلال التوعية، وفتح بدائل آمنة للاستثمار أمام الأفراد، ويجب أن يعلم الأفراد أنه لا يوجد استثمار معين يحقق نسب أرباح فلكية، 30 و40 و50% أمر غير منطقى وغير متصور، وإن كان يتصور باستثمارات فى أمور غير مشروعة فإنه يعد شريكا فى هذه الجريمة .
ونوه الخبير الاقتصادى إلى أن هذه الجرائم تصنف على أنها نصب أو استيلاء على أموال الغير، لكن المشكلة أنه يكون قد تمكن من الهرب خارج البلاد، أو أنه بدد هذه الأموال وفى الحالتين لا يحصل الأفراد على أموالهم.
وتصنف العقوبة الجنائية لجرائم “المستريحين” (توظيف الأموال بدون ترخيص والنصب) فى مصر وفقاً للمادة 21 من القانون رقم 146 لسنة 1988 هى السجن وغرامة مالية لا تقل عن 100 ألف جنيه ولا تزيد على مثل ما تلقاه من أموال، مع الإلزام برد الأموال لأصحابها والسجن (والذى قد يصل فى قضايا النصب والاحتيال المقترنة بظروف توظيف الأموال إلى عقوبات مشددة بحسب تقدير المحكمة وعدد الضحايا، كما يُحكم على الجانى وجوباً برد جميع الأموال المستحقة إلى أصحابها.
وتنقضى الدعوى الجنائية أو يجوز للمحكمة إعفاء المتهم من العقوبة إذا بادر برد كافة المبالغ المستحقة لأصحابها خلال مرحلة التحقيقات أو المحاكمة وقبل صدور حكم نهائى.




