فاطمة إبراهيم
اتجهت الحكومة إلى تطبيق سياسة التحريك التدريجى لأسعار الكهرباء، بدلا من الإلغاء المفاجئ للدعم حتى تتمكن الأسر والقطاع الاقتصادى من التكيف بصورة تدريجية مع الواقع الجديد .
ويمثل استمرار الدعم بالشكل التقليدى عبئا كبيرا على الموازنة العامة ويحد من قدرة الدولة على توجيه الموارد إلى قطاعات أخرى مثل الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية. وجاء تدريج رفع الدعم عن الكهرباء نتيجة اعتبارات اقتصادية ومالية معقدة لأن تكلفة إنتاج الكهرباء ارتفعت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة.
وكانت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة قد أقرت في بداية أغسطس الماضي زيادة أسعار شرائح الاستهلاك المنزلى بمتوسط 12%، كما أعلنت تطبيق زيادة بنسبة 20% على استهلاك الكهرباء لبعض الأنشطة التجارية، تستهدف زيادة المحال التجارية والمطاعم والكافيهات .
ويوفر قرار زيادة أسعار شرائح الكهرباء بنحو 12% للدولة نحو 20 مليار جنيه خلال العام المالى 2026-2027، واستمرار تأجيل تطبيق الزيادة كان سيجبر الحكومة على العودة إلى خطة تخفيف الأحمال الكهربائية.
وتبلغ مديونية وزارة الكهرباء المستحقة لوزارة البترول، والتى تبلغ نحو 500 مليار جنيه، أصبحت تمثل تحدياً كبيراً للقطاع، فى ظل الارتفاع المستمر فى تكلفة الوقود المستخدم لتشغيل محطات إنتاج الكهرباء.
وأكد الخبراء أن الحكومة لديها خطة تدريجية لإعادة هيكلة أسعار الكهرباء وتقليص الفجوة بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع، مع استمرار تحمل الدولة لدعم الشرائح محدودة الدخل بقيمة إجمالية تبلغ نحو 100 مليار جنيه فى موازنة 2026-2027، وسط توجهات لإلغاء الدعم بشكل تدريجى عن الاستهلاك العالى والعديد من القطاعات بحلول عام 2029.
والكهرباء فى مصر لا ترتبط فقط بإنارة المنازل أو تشغيل الأجهزة الكهربائية، بل هى أحد أهم ملفات الأمن القومى والاقتصادى والتنمية الصناعية وجذب الاستثمارات.
فالاقتصاد لا يستطيع تحقيق معدلات نمو مرتفعة أو جذب مصانع جديدة أو زيادة الصادرات أو تنفيذ مشروعات قومية عملاقة دون وجود منظومة كهرباء مستقرة وقادرة على تلبية الطلب المتزايد .
وذكر الخبراء لـ “الإيكونوميست المصرية” أن الحكومة المصرية تسعى لتنويع مصادر الطاقة وتقليل تكلفة الإنتاج وتعزيز الاعتماد على المصادر النظيفة والمستدامة بما يحقق التوازن بين احتياجات التنمية والمحافظة على الموارد الطبيعية .
الدكتور أبو بكر الديب الخبير الاقتصادى، قال إن تدريج رفع الدعم عن الكهرباء جاء نتيجة اعتبارات اقتصادية ومالية معقدة لأن تكلفة إنتاج الكهرباء ارتفعت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة نتيجة زيادة أسعار الوقود والاستثمارات الضخمة فى تطوير الشبكات والمحطات وكذلك ارتفاع تكلفة التمويل والصيانة، مشيرا إلى أن استمرار الدعم بالشكل التقليدى يمثل عبئا كبيرا على الموازنة العامة ويحد من قدرة الدولة على توجيه الموارد إلى قطاعات أخرى مثل الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، ولذا اتجهت الحكومة إلى تطبيق سياسة التحريك التدريجى للأسعار بدلا من الإلغاء المفاجئ للدعم حتى تتمكن الأسر والقطاع الاقتصادى من التكيف بصورة تدريجية مع الواقع الجديد .
وأضاف د. الديب أن برنامج إنهاء دعم الكهرباء يقترب من مراحله الأخيرة، إلا أن الحكومة ستظل حريصة على مراعاة الفئات الأكثر احتياجا وعدم تحميلها أعباء لا تستطيع تحملها لأن تحقيق العدالة الاجتماعية يظل أحد الاعتبارات الأساسية فى أى قرار اقتصادى، متوقعا استمرار وجود شرائح استهلاك منخفضة تحظى بدرجات من الحماية أو الدعم غير المباشر حتى بعد اكتمال برنامج الإصلاح خاصة للأسر محدودة الدخل مع استمرار توجيه برامج الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر احتياجا .
وعن تأثير ذلك على المواطن البسيط، قال الخبير الاقتصادى إنه سيتأثر لأن أى زيادة فى أسعار الكهرباء تنعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على تكاليف المعيشة وأسعار السلع والخدمات، إلا أن حجم هذا التأثير يمكن تقليله إذا استمرت الدولة فى التوسع فى مشروعات الطاقة منخفضة التكلفة ورفع كفاءة الشبكات وتقليل الفاقد وتشجيع استخدام الأجهزة الموفرة للطاقة لأن كل هذه الإجراءات تساهم فى خفض التكلفة النهائية لإنتاج الكهرباء وتحقيق استقرار الأسعار على المدى الطويل.
وتوقع د. الديب أن مستقبل قطاع الكهرباء فى مصر سيكون أكثر استقرارا إذا استمرت الحكومة فى تنفيذ استراتيجيتها الحالية التى تقوم على تنويع مصادر الطاقة وزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة والتوسع فى مشروعات الربط الكهربائى مع الدول المجاورة وتحفيز القطاع الخاص على الاستثمار فى إنتاج الكهرباء لأن هذه العناصر مجتمعة تخلق منظومة أكثر مرونة وقدرة على مواجهة أى تحديات مستقبلية سواء كانت اقتصادية أو جيوسياسية كما تفتح أمام مصر فرصا كبيرة لتصدير الكهرباء والاستفادة من موقعها الجغرافى كمركز إقليمى للطاقة.
واعتبر الخبير الاقتصادى أن الغاز الطبيعى الوقود الأساسى لتشغيل معظم محطات الكهرباء، فالدولة لديها بنية تحتية قوية ومحطات عالية الكفاءة تستطيع إنتاج كميات ضخمة من الكهرباء مع استهلاك أقل للوقود مقارنة بالمحطات التقليدية القديمة، غير أنه لا يمكن الاعتماد الكامل على الغاز لأن ذلك يحمل مخاطر اقتصادية فى ظل تقلبات أسعار الطاقة العالمية وارتفاع الطلب المحلى ولذلك بدأت الحكومة تنفيذ استراتيجية واضحة لتنويع مزيج الطاقة وعدم ربط مستقبل الكهرباء بمصدر واحد فقط وهو ما يمنح الاقتصاد المصرى قدرًا أكبر من الاستقرار والمرونة فى مواجهة أى تغيرات إقليمية أو دولية
وأشار د. الديب إلى أن الدولة تتوسع فى إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية لأن الدولة تمتلك واحدة من أعلى معدلات سطوع الشمس فى العالم والتوسع فى مشروعات الطاقة الشمسية ليس مجرد خيار بيئى وإنما قرار اقتصادى ذكى يساهم فى خفض استهلاك الغاز الطبيعى وتوفير الوقود للتصدير أو للصناعات ذات القيمة المضافة .
من جهته، قال الدكتور خالد الشافعى الخبير الاقتصادى إن خطة الحكومة تستهدف إعادة هيكلة وتحرير أسعار الكهرباء والتخلى التدريجى عن الدعم للوصول إلى التغطية الكاملة لتكلفة التوليد، حيث تم تمديد الجدول الزمنى للبرنامج أكثر من مرة استجابة للظروف الاقتصادية والتضخمية.
وأضاف د. الشافعى أن هذا التحرك ينعكس بشكل مباشر على المواطن البسيط من خلال الارتفاع التدريجى فى قيمة الفواتير الشهرية لتغطية التكلفة الفعلية للإنتاج، بالإضافة إلى التأثير غير المباشر الناتج عن انعكاس تكلفة الطاقة على أسعار السلع والخدمات فى الأسواق. وعلى الرغم من أن استراتيجية التسعير تعتمد على الدعم التبادلى الذى يتحمل فيه كبار المستهلكين والشرائح العليا عبئاً أكبر لمساندة الشرائح الأولى ذات الاستهلاك المحدود، فإن الضغوط التضخمية العامة تظل ملموسة على القوة الشرائية للمواطن .
وعن قدرة الدولة على توفير الطاقة للمصانع والقطاع الإنتاجى، قال الخبير الاقتصادى إن الشبكة القومية للكهرباء تمتلك قدرات توليد فائقة تتجاوز احتياجات الذروة، مشيرا إلى أن الدولة تعمل على ضمان استدامة الإمدادات للمصانع لتجنب أى تعطيل لعمليات الإنتاج، مع اتخاذ قرارات بتعديل التعريفة الموجهة للأنشطة الصناعية والتجارية لتغطية التكاليف التشغيلية لشراء الوقود المستورد وتطوير البنية التحتية للنقل والتوزيع.
وذكر د. الشافعى أن تحريك الأسعار على القطاع الصناعى دفع الكثير من المصانع وكبار المستهلكين إلى تبنى حلول كفاءة الطاقة والتحول نحو إنشاء محطات طاقة شمسية خاصة للحد من تكاليف التشغيل، مشيرا إلى أن مصر تعتمد على مصادر متنوعة لتوليد الكهرباء، يأتى الغاز الطبيعى والمازوت فى صدارة المصادر التشغيلية، حيث تعتمد عليهما المحطات الحرارية والدورة المركبة لتوليد الجزء الأكبر من الإنتاج الحالي.
وتتوسع الدولة بشكل متسارع فى الاعتماد على الطاقة المتجددة، والتى تشمل الطاقة الشمسية من خلال المجمعات الكبرى مثل بنبان بأسوان والمحطات الذاتية، وطاقة الرياح فى مناطق خليج السويس وجبل الزيت على البحر الأحمر وغرب سوهاج عبر الشراكات مع القطاع الخاص والشركات العالمية ما تسهم الطاقة الكهرومائية بنسبة منتظمة عبر محطات السد العالى وخزان أسوان والقناطر.
إلى جانب ذلك، تتضمن الخطط المستقبليّة إدخال الطاقة النووية للأغراض السلمية عبر محطة الضبعة للحد من استهلاك الوقود الأحفورى وترشيد فاتورة استيراد المحروقات.
من جانبه، قال الدكتور مصطفى بدرة الخبير الاقتصادى إن الدولة تحاول تخفيض الدعم جزئيا على الكهرباء وفقا لخطة تدريجية بحيث تقلل من الأثر السلبى لذلك على المواطنين والمصانع، لاسيما فى ظل ارتفاع أسعار الوقود والطاقة.
وأضاف أن رفع الدعم عن كل الشرائح يؤثر على كل الأفراد، لأنه فى ظل ارتفاع درجات الحرارة، لن يتوقف المواطن عن تشغيل المروحة أو التكييف لارتفاع فاتورة الكهرباء.
وأشار بدرة إلى أن الرئيس عبدالفتاح السيسى وجه رئيس مجلس الوزراء بضرورة زيادة الإنتاجية من الكهرباء للوفاء بزيادة التوسع العمرانى فى الدولة، وكذلك توفير احتياجات المصانع.
وطالب الخبير الاقتصادي بأن يكون هناك خطة يتم الإعلان عنها بالتوسع فى الإنتاجية من المصادر المتنوعة سواء طاقة رياح أو الطاقة الشمسية أو محطات الكهرباء .
وقال د. بدرة إنه كي تتوسع مصر فى الاستثمارات فلا بد أن يكون لديها بنية تحتية قوية، حيث لا يمكن إنشاء مصنع جديد، بدون توفير كهرباء له، مشيرا إلى أن الدولة قاربت على الانتهاء جزئيا من مشروع الضبعة النووية خلال العام المقبل، ومحطات الكهرباء، ومشروعات الربط الكهربائى مع دول الجوار، وطاقة الرياح أو الطاقة النظيفة.




