وفاء علي
فى ظل عالم اقتصادى يشهد تغيرات متسارعة، وتذبذبًا حادًا فى أسعار العملات والأسواق العالمية، لم يعد الذهب مجرد قطعة تُرتدى للزينة أو هدية ترتبط بالمناسبات الاجتماعية والتقليدية، بل تحول جذريًا إلى أحد أهم الأوعية الاستثمارية الموثوقة التى يلجأ إليها المصريون بمختلف شرائحهم للحفاظ على قيمة مدخراتهم. يأتى هذا التحول الهيكلى بالتزامن مع زيادة واعية فى الثقافة المالية، وأهمية الادخار فى أصول صلبة قادرة على الاحتفاظ بقيمتها الشرائية على المدى الطويل لمواجهة الضغوط التضخمية المستمرة.
تحولات هيكلية فى السوق المحلية
يرى خبراء الاقتصاد أن الذهب بات ركيزة أساسية ضمن منظومة الاستثمار لدى المواطنين، فى ظل استمرار حالة عدم اليقين التى تهيمن على المشهد المالى العالمى. ويؤكد الخبراء أن مستقبل صناعة الذهب فى مصر لا يرتبط فقط بحركة الأسعار اليومية صعودًا وهبوطًا، وإنما يرتبط ارتباطًا وثيقًا بقدرة السوق المحلية على التوسع فى التصنيع الحقيقى، وزيادة القيمة المضافة، وتحويل مصر تدريجيًا إلى مركز إقليمى محورى لصناعة وتجارة الذهب فى منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.
وفى هذا السياق، أكد المهندس سعيد إمبابي، المدير التنفيذى لمنصة «آى صاغة»، أن سوق الذهب فى مصر يشهد تحولًا دلاليًا واضحًا؛ إذ تغيرت ثقافة المواطنين الاستهلاكية بشكل جذري، وأصبح قطاع عريض منهم ينظر إلى المعدن الأصفر كأداة استثمار استراتيجية وحفظ فعلى للقيمة، متخلين تدريجيًا عن المفاهيم القديمة التى حصرت الذهب فى إطار المشغولات الاستهلاكية للزينة فحسب.
وأوضح المهندس إمبابي، فى تصريحات لـ “الإيكونوميست المصرية” أن مستقبل سوق الذهب فى مصر يحمل فرصًا استثمارية واعدة خلال السنوات المقبلة، مدفوعًا بالزيادة المطردة فى وعى المواطنين بأهمية التحوط المالي. هذا التغير السلوكى دفع شرائح واسعة من المجتمع إلى الإقبال المتنامى على اقتناء السبائك والجنيهات الذهبية، مستفيدين بصورة رئيسية من انخفاض تكلفة المصنعية عليها مقارنة بالمشغولات التقليدية، مما يجعلها وعاءً ادخاريًا عالى الكفاءة وقليل التكلفة عند إعادة البيع.
الذهب المصري صناعة عريقة تمتلك مقومات الانطلاق العالمي
أشار الخبير الاقتصادى إلى أن صناعة الذهب فى مصر تمتلك مقومات تاريخية وتنافسية قوية تؤهلها للريادة، خاصة أن المصريين يمتلكون إرثًا حضاريًا وصناعيًا فريدًا يمتد جذوره إلى أعماق الحضارة المصرية القديمة، حيث أبدع الأجداد فى صياغة الحلى والأقنعة الجنائزية الخالدة. وأكد أن التحدى الحقيقى والمصيرى خلال الفترة المقبلة يكمن فى تطوير التصميمات المحلية، واستغلال عناصر الهوية والثقافة المصرية الفريدة للوصول بقوة إلى الأسواق الإقليمية والعالمية.
ولفت المهندس إمبابي إلى أن قواعد المنافسة فى الأسواق الدولية اليوم لم تعد تعتمد فقط على جودة التصنيع والسبائك فحسب، بل أصبحت ترتكز بشكل أساسى على القدرة الإبداعية لتقديم منتج يحمل شخصية وهوية فريدة ومتميزة. وأوضح الخبير الاقتصادى أن بعض التجارب المصرية الرائدة نجحت بالفعل فى تصدير الطابع المصرى الأصيل إلى الأسواق الخارجية، وتَجَسَّد ذلك بوضوح فى تجربة المصممة العالمية عزة فهمي، التى قدمت تصميمات فنية رفيعة المستوى مستوحاة من رموز وفنون الحضارة المصرية القديمة والإسلامية، ونجحت من خلالها فى اقتحام كبرى أسواق العالم ووضع الحلى المصرى فى مكانة عالمية مرموقة.
وأضاف أن الصناعة الوطنية بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى الانتقال التدريجى من مرحلة التقليد والاعتماد على التصميمات المستوردة إلى مرحلة الابتكار وتطوير منتجات مصرية خالصة قادرة على المنافسة الشرسة والتصدير للخارج. ويأتى هذا الاحتياج فى وقتٍ يبحث فيه المستهلك العالمى باهتمام بالغ عن المنتجات التى تحمل خلفية ثقافية وقصة إنسانية وهوية خاصة، بدلاً من الاكتفاء بالمنتجات النمطية والمقلدة المنتشرة فى الأسواق الأخرى.
آليات التسعير وقواعد الادخار الآمن
من جانبه، أكد نادى نجيب، سكرتير عام شعبة الذهب والمجوهرات بالاتحاد العام للغرف التجارية سابقًا، أن العامل الرئيسى والمحرك الأساسى لأسعار الذهب محليًا هو السعر العالمى للأوقية فى البورصات العالمية، إلى جانب سعر صرف العملات الأجنبية مقابل الجنيه وفى مقدمتها الدولار، وليس حجم الطلب المحلى الفردى بمفرده كما يتصور البعض.
وأشار نجيب إلى أن زيادة الإقبال الاستهلاكى خلال مواسم الأعياد والمناسبات لا تكفى وحدها لإحداث قفزات سعرية مستدامة، وغالبًا ما يهدأ السوق نسبيًا ليعود جزء كبير من السيولة والطلب مرة أخرى نحو الأوعية الاستثمارية الآمنة مثل السبائك والجنيهات بهدف الادخار طويل الأجل.
وأوضح سكرتير عام شعبة الذهب والمجوهرات بالاتحاد العام للغرف التجارية سابقًا أن الأسلوب الأمثل للتعامل مع الذهب هو اعتباره أداة ادخار استراتيجية على المدى الطويل، وليس أداة للمضاربة السريعة أو جنى الأرباح خلال أيام معدودة.
وأكد أن المواطن الذى يمتلك فائضًا ماليًا مقيدًا يمكنه تحويل جزء مدروس منه إلى ذهب للحفاظ على القوة الشرائية لأمواله وتجنب التآكل الناتج عن التضخم مع مرور الوقت.
وحذر نجيب فى سياق متصل من الوقوع فى فخ انتظار انخفاض الأسعار بشكل وهمى لاتخاذ قرار الشراء، مبينًا أن التوقيت المثالى لشراء الذهب هو اللحظة التى تتوافر فيها السيولة النقدية الزائدة عن الحاجة، مع إمكانية تطبيق استراتيجية تجزئة المبلغ على دفعات متباعدة زمنيًا لتقليل المخاطر المحتملة الناتجة عن التقلبات السعرية الحادة. فالهدف الجوهرى والأسمى من الاستثمار فى الذهب هو حماية المدخرات وتأمين المستقبل وليس تحقيق مضاربات عالية المخاطر.
كما شدد سكرتير عام شعبة الذهب والمجوهرات بالاتحاد العام للغرف التجارية سابقًا على أن انتهاج سياسة الادخار المنتظم والممنهج فى الذهب يمكن أن يسهم بشكل كبير فى مساعدة الأسر المصرية على مواجهة الأعباء المستقبلية الكبرى، مثل تجهيز متطلبات التعليم الجامعى للأبناء، أو تغطية نفقات الزواج، أو توفير مقدمات لشراء أصول عقارية أخرى. ويرجع ذلك إلى أن المعدن النفيس يتحرك طرديًا فى الغالب مع موجات غلاء الأسعار، مما يجعله صمام أمان حقيقيًا يمتص صدمات السوق ويحافظ على توازن الثروة الأسرية.
واختتم نجيب حديثه بالتأكيد على أن سوق الذهب فى مصر يمتلك آفاقًا رحبة وفرصًا هائلة للنمو والتطور، بالتوازى مع التغير الإيجابى المستمر فى ثقافة المواطنين المالية، وزيادة الاعتماد الواعى على الذهب كخيار استثمارى أول. متوقعًا فى هذا السياق ظهور آنٍ وآنٍ لأدوات وصناديق استثمارية جديدة ومتنوعة مرتبطة بالذهب خلال المرحلة المقبلة، ما يعكس نضجًا أكبر فى الوعى المالى والمصرفى للمجتمع المصرى بأسره.




