فاطمة إبراهيم
فى ظل تصاعد التوترات فى المنطقة وما يتبعها من اضطرابات فى سير السفن خاصة المحملة بمواد الطاقة والتى تعبر مضيق هرمز عند مدخل الخليج العربى ومضيق باب المندب عند مدخل البحر الأحمر، يستعيد خط أنابيب “سوميد” أهميته الاستراتيجية كبديل حيوى لنقل البترول الخام من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط متجاوزا مناطق الاختناق الملاحية.
ويمر عبر مضيق هرمز نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية، لكن نتيجة النزاع العسكرى بين إيران والولايات المتحدة، ووسط حوادث متكررة لاستهداف الناقلات بمقذوفات مجهولة وتقلبات حادة فى حركة السفن العابرة، أصبح العالم يواجه مشاكل عديدة فى نقل الطاقة وسلاسل الإمداد مما أدى إلى ارتفاع أسعار البترول العالمية.
ويمتد خط سوميد بطول نحو 320 كيلومتراً من العين السخنة على خليج السويس بالبحر الأحمر إلى سيدى كرير على الساحل الشمالى بالبحر المتوسط.
ويتيح خط سوميد لناقلات البترول القادمة عبر خطوط الإمداد السعودية (مثل خط شرق-غرب)، تفريغ حمولاتها فى الخط بالعين السخنة على ساحل البحر الأحمر إلى أن تصل إلى سيدى كرير على ساحل البحر المتوسط لتضخ فى السفن نحو الأسواق الأوروبية والغربية، مما يقلل الاعتماد المؤقت على الممر المائى المتوتر.
وذكر الخبراء لـ “الإيكونوميست المصرية” أن التدفقات عبر خط سوميد ارتفعت بصورة ملحوظة خلال عام 2026 لتصل إلى مستويات قياسية تقارب 2.5 مليون برميل يومياً فى ظل إعادة توجيه شحنات الطاقة لتفادى مخاطر الملاحة جنوباً، مما يعود بالنفع على مصر والسعودية والعالم كله بما يساعد على خفض تكلفة نقل البترول، بدلاً من دوران ناقلات البترول حول طريق رأس الرجاء الصالح (والذى يضيف من 10 إلى 14 يوماً للرحلة، ويتيح خط سوميد اختصار الوقت لنقل البترول الخليجى إلى أوروبا ليكون فى غضون أيام قليلة.
ويساهم فى خط أنابيب سوميد الهيئة المصرية العامة للبترول بنسبة 50%، إلى جانب حصص لكل من أرامكو السعودية (15%)، والهيئة العامة للاستثمار الكويتية – الكويت للبترول (15%)، وشركة مبادلة الإماراتية (15%)، وقطر للطاقة (5% ).
وأشارت الدكتورة حنان رمسيس الخبيرة الاقتصادية، إلى أن السعودية تحاول إيجاد منافذ لتصدير البترول للعالم عن طريق خط أنابيب سوميد مرورا بمصر وسيدى كرير، مشيرة إلى أن الشركات المصرية سوف تستفيد بهذا التحويل فى ظل استمرار هجمات الحوثيين على باب المندب أو التعرض لإغلاقه.
ولفتت الدكتورة حنان رمسيس إلى أن دول الخليج تتجه لاستخدام الخطوط البديلة لتصدير البترول للاستفادة من ارتفاع أسعار البترول عالميا، مع القدرة المتفاوتة لإنتاج البترول لتأثر العديد من حقول الإنتاج بدول الخليج لاستهداف الحوثيين لبعض من خطوط الإنتاج، مشيرة إلى أن مصر تستفيد من إحياء خط سوميد لأن لديها الموانئ مثل دمياط وسيدى كرير بالإضافة إلى الشركات التى تعمل بتكرير البترول وخدمة الموانئ والبواخر.
وأضافت الخبيرة الاقتصادية: لاحظنا فى الفترة الأخيرة اهتمام الإمارات بالاستثمار فى هذه الموانئ، وشراكات بين مصر وموانئ دبى ليعود بالنفع والفائدة على كلا الجانبين، بما يعكس اهتمام الدول على تنمية الموانئ، وإعادة تأهيلها وزيادة قدرتها الإنتاجية، لافتة إلى أن المملكة العربية السعودية تسعى أيضا إلى الاستثمار فى الموانئ المصرية لتسهيل تصدير البترول إلى الخارج، وخفض تكلفة التصدير وكذلك خفض تكلفة التأمين، لاسيما أن تكلفة التأمين تضاف على سعر المنتج ومن ثم ارتفاع تكلفة برميل البترول عن المتعارف عليه مما يؤدى إلى عزوف بعض الدول عن الشراء، والبحث عن بدائل .
وتابعت الدكتورة حنان رمسيس أن السعودية تتعاون مع مصر والأردن لإتمام عملية التصدير بأسعار مناسبة لتحريك سلاسل الإمداد، مشيرة إلى أن خط أنابيب سوميد يعد بديلا عن مضيق باب المندب، وهذه الفكرة تراود الدول المحيطة بهذا الخط للاستفادة من تدفقات البترول، وتحقيق مكاسب استثمارية من خلال التصدير من خلاله، لتوفر سلاسل الإمداد ووصول البترول فى موعده مع حلول فصل الشتاء.
وذكرت الخبيرة الاقتصادية أن خط أنابيب سوميد يخدم الدول الأوروبية، لكن دول شرق آسيا مثل الصين فإن الولايات المتحدة هى التى توفر احتياجات الصين بعد الاتفاق على خفض الرسوم الجمركية المفروضة على واردات الصين.
من جانبه، قال الدكتور خالد الشافعى، الخبير الاقتصادى: إن خط أنابيب “سوميد” استعاد أهميته الاستراتيجية والقصوى كأحد أهم محاور الأمن الطاقى لنقل البترول من الخليج العربى إلى الأسواق الأوروبية ودول حوض البحر المتوسط، جاء ذلك نتيجة التصعيد العسكرى فى البحر الأحمر وتهديدات الحوثيين المباشرة للملاحة عبر مضيق باب المندب، مما أجبر شركات البترول العالمية وشركات الناقلات على تجنب عبور الممر المائى المباشر أو خفض عمليات تفريغ الناقلات العملاقة.
وأضاف الدكتور الشافعى أن خط “سوميد” يمتد بطول 320 كيلومتراً داخل الأراضى المصرية، مشيرا إلى أن الطاقة التصميمية القصوى للخط تبلغ نحو 2.5 مليون برميل يومياً، ومع تفاقم التوترات الأمنية وارتفاع تكاليف التأمين البحرى عبر باب المندب، ارتفعت تدفقات الخام عبر الخط لتصل إلى طاقته التشغيلية القصوى بنسبة زيادة تجاوزت 150% مقارنة بالمليون برميل يومياً التى كان يسجلها فى فترات الاستقرار.
ونوه الخبير الاقتصادى إلى أن الخط يتيح للناقلات العملاقة جداً، التى تتراوح حمولتها بين 200 إلى 300 ألف طن ولا تستطيع العبور بكامل حمولتها فى قناة السويس، تفريغ حمولتها جزئياً أو كلياً فى العين السخنة ليتم ضخها عبر الأنابيب إلى سيدى كرير ثم إعادة تحميلها إلى السفن المتجهة لأوروبا، مما يوفر البديل الأكثر كفاءة مقارنة بالدوران حول طريق رأس الرجاء الصالح الذى يضيف نحو 10 إلى 14 يوماً لإبحار الناقلة ويرفع تكاليف الوقود والشحن .
وعن المستفيدين من إعادة تشغيل خط سوميد، قال الدكتور الشافعى: إن خريطة المستفيدين من عودة خط “سوميد” إلى الصدارة تتوزع على عدة أطراف رئيسية، أهمها مصر، بصفتها المالكة لحصة الحاكمة والسيطرة بنسبة 50% عبر الهيئة المصرية العامة للبترول، من خلال تحقيق عوائد مالية مباشرة بالدولار الأمريكى تتمثل فى رسوم الترانزيت، والتفريغ، والتخزين، كما تستفيد دول الخليج المساهمة فى شركة سوميد والمصدرة للبترول، وفى مقدمتها السعودية عبر شركة “أرامكو” التى تمتلك 15%، والإمارات عبر شركة “مبادلة” بنسبة 15%، والكويت بنسبة 15%، وقطر عبر “قطر للطاقة” بنسبة 5%؛ حيث يوفر الخط لهذه الدول أداة مرنة للحفاظ على حصصها السوقية فى أوروبا دون الانقطاع الكامل للإمدادات أو تحمل تكاليف الإبحار الطويل حول أفريقيا.
وأضاف الخبير الاقتصادى أنه ليس لك فحسب بل تستفيد أيضا المصافى والمستوردون فى دول جنوب وغرب أوروبا، خاصة إيطاليا وهولندا وفرنسا، عبر ضمان توفر إمدادات منتظمة وسريعة وخفض علاوة المخاطر المترتبة على اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، وتؤكد هذه التحولات قدرة مصر على التحول إلى مركز إقليمى وممر أكثر حيوية لصادرات البترول والغاز الخليجية؛ إلا أن تحقق ذلك بشكل كامل يرتبط بشرط استراتيجى لوجستى وهو وصول البترول الخليجى أولاً إلى نقطة البداية فى العين السخنة عبر البحر الأحمر.
ويظل خط سوميد حلقة وصل مكملة تدعم مرونة الصادرات الخليجية المتجهة غرباً، بينما تستمر مصر فى ترسيخ مكانتها كأهم البنيات التحتية لنقل وتداول الطاقة فى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
من جهته، يرى الدكتور أحمد خطاب الخبير الاقتصادى، أن خط أنابيب سوميد من الخطوط الحيوية التى تنقل البترول السعودى عبر مصر إلى البحر المتوسط ومنها إلى الخارج، مشيرا إلى أنه يمكن إعادة تأهيله وإصلاح الجزء المدمر بسهولة ويسر، بالتعاون مع الشركات العالمية المتخصصة فى ذلك، وإعادة تأمينه عسكريا من قبل مصر والسعودية، والحكومة القطرية فى اليمن، وإعادة تشغيله لأنه فى غياب الملاحة ينقل أكثر من 2 مليون برميل يوميا من السعودية إلى الأراضى المصرية ومنها إلى أوروبا.
وذكر الدكتور خطاب أن العالم كله بحاجة إلى هذا الخط وليست السعودية فقط، لتعويض فقر الإمدادات البترولية والغازية لكل دول العالم، مشيرا إلى أن مصر والسعودية بإمكانهما حماية خط سوميد، وإدارته بأعلى كفاءة ممكنة، حتى لا يتوقف الإمداد البترولى من السعودية، لكل دول العالم، مشيرا إلى أن مجلس الأمن أشاد بسرعة عودة الملاحة من خلال مضيقى هرمز وباب المندب لكى ينخفض سعر برميل البترول عالميا، بالإضافة إلى أننا مقبلون على موسم الشتاء.
وأشار الخبير الاقتصادى إلى أنه من مصلحة العالم إعادة تشغيل مضيقى هرمز وباب المندب، بالإضافة إلى تأمين توريدات البترول لكل دول العالم من السعودية من خلال خط أنابيب سوميد والطرق البديلة لمضيقى هرمز وباب المندب، مشيرا إلى أن استخدام خط أنابيب سوميد لنقل البترول يحقق فوائد عديدة لكل من مصر والسعودية وكل دول العالم نتيجة خفض أسعار البترول.
وشدد خطاب على إعادة تأمين خط الأنابيب من خلال تأمين مشترك بين مصر والسعودية، لأن المصلحة عامة، حيث يساعد على خفض أسعار البترول عالميا.




