الإيكونوميست المصرية
الذهب الحصن المنيع للبنوك المركزية ضد الأزمات العالمية

الذهب الحصن المنيع للبنوك المركزية ضد الأزمات العالمية

فاطمة إبراهيم

يتوقع مجلس الذهب العالمى أن تشترى البنوك المركزية حوالى 800 طن من الذهب خلال عام 2026، فلماذا تُقبل البنوك المركزية على شراء الذهب؟ وهل البنك المركزى المصرى يحذو حذوها؟ وهل يعنى ذلك تراجع هيمنة الدولار على الاحتياطيات النقدية للدول؟
واشترت البنوك المركزية خلال الربع الأول من العام الجارى نحو 244 طنًا من الذهب، وهى أسرع وتيرة شراء خلال أكثر من عام.
وأكد الخبراء أن إقبال البنوك المركزية ومن بينها المركزى المصرى على شراء المعدن الأصفر، تأتى لكونه أداة لتعزيز الاحتياطيات النقدية وتنويعها، وتستهدف هذه الخطوة تعزيز الاستقرار المالى للدول، وتقليل الاعتماد المفرط على الدولار الأمريكى كعملة احتياطية وحيدة، مشيرين إلى أن الذهب يعد الضمانة الأكثر أمانًا فى أوقات الحروب والنزاعات والعقوبات الاقتصادية، حيث يحتفظ بقيمته عندما تنهار العملات أو تتقلب الأسواق.
وأشار الخبراء لـ”الإيكونوميست المصرية” إلى أن توسع البنوك المركزية فى شراء الذهب يعكس تحولًا واضحًا فى استراتيجية إدارة الاحتياطيات نحو الأمان وتقليل المخاطر، بدلًا من التركيز على العائد فقط، لافتين إلى أن الذهب مخزن ممتاز للقيمة على المدى الطويل، ويحمى احتياطيات البنوك من فقدان قوتها الشرائية نتيجة لارتفاع معدلات التضخم عالميًا، واستجابة للتقلبات الاقتصادية العالمية.
وتشير بيانات مجلس الذهب العالمى وصندوق النقد الدولى إلى أن البنوك المركزية تمتلك أكثر من 35 ألف طن مترى من المعدن، مما يجعله ركيزة أساسية فى إدارتها للأصول السيادية.
وتواصل البنوك المركزية زيادة احتياطياتها من الذهب، خاصة فى ظل سعيها لتنويع الأصول بعيدًا عن الدولار الأمريكى، والتحوط من المخاطر المرتبطة بالسياسات النقدية والتجارية العالمية.
ولم يعد الذهب مجرد ملاذ آمن، بل أصبح أداة ادخار أساسية ضمن المحافظ الاستثمارية، ويجب تخصيص نسبة تتراوح بين 20% و25% من المحفظة للذهب، مع إمكانية أن يحل جزئيًا محل السندات فى ظل تغير العلاقة التقليدية بين الأسهم والسندات.
ورغم تباطؤ مشتريات البنوك المركزية فى 2025 مقارنة بالسنوات السابقة التى تجاوزت 1000 طن سنويًا، فإن الطلب الرسمى مازال قويًا، فقد ارتفعت الاحتياطيات بنحو 863 طنًا خلال 2025، بينما بلغ الطلب فى الربع الأول من العام الحالى حوالى 244 طنًا، ويرى المجلس أن مشتريات 2026 ستتراوح بين 700 و900 طن، ما يعكس استمرار قوة الطلب الرسمى رغم ارتفاع الأسعار.
وكشف البنك المركزى المصرى عن ارتفاع أرصدة الذهب المدرجة ضمن الاحتياطى الأجنبى إلى 19.201 مليار دولار بنهاية أبريل 2026، مقابل 19.188 مليار دولار فى مارس الماضى، بقيمة ارتفاع بلغت 13 مليون دولار.
وأظهرت البيانات ارتفاع قيمة العملات الأجنبية ضمن الاحتياطى النقدى إلى 33.257 مليار دولار بنهاية أبريل 2026، مقابل 33.097 مليار دولار فى مارس الماضى.
من جانبه، أكد طارق متولى نائب رئيس بنك بلوم مصر سابقا أن توسع البنوك المركزية فى شراء الذهب يأتى نتيجة المشاكل التى تحدث فى الدولار عالميا، وكبر حجم المديونية الأمريكية، وتخوفات الأفراد من الدولار من أنه العملة المسيطرة على العالم كله، مشيرا إلى أنه فى ظل القلاقل والمشاكل الموجودة فى العالم يظل الذهب هو الملاذ الآمن ولكن ليس معنى ذلك أن الدولار على وشك الانهيار، ولكن ذلك يمثل تنويعا لمحفظة الاحتياطى النقدى لدى البنك لتكون من 25% إلى 30% ذهبا والباقى دولارات.
ولفت متولى إلى أن التوسع فى شراء الذهب نوع من التحوط للمستقبل، بسبب الحراك والتغيرات فى مراكز القوى على مستوى العالم، فضلا عن عظم المديوينة الأمريكية، والتوترات السياسية والحربية، والمشاكل مع دول عظمى مثل الصين يعد مؤشرا إلى أن الشكل المالى للعالم فى المستقبل يختلف عما هو سابقا، وسيظل الدولار هو العملة الأولى، وبجانبه الذهب، وبعده العملات الأخرى.
وأشار إلى أن البنك المركزى الصينى هو الذى بدأ فى الاستثمار فى الذهب بسبب الصراعات بين الصين وأمريكا على الهيمنة على الاقتصاد العالمى، وحذت بنوك مركزية أخرى حذوه ومن بينها البنك المركزى المصرى، لاسيما فى ظل الارتفاعات السعرية التى حققها الذهب خلال 2025، فضلا على حالة الغيوم وعدم اليقين فى العالم كله، وهل تتصاعد اقتصادات أخرى مثل الصين واليابان والاتحاد الأوروبى وغيرها، وتنافس الدولار كعملة، كاحتياطى على مستوى العالم، وأضاف أنه يرى أن هذا لن يحدث فى الوقت القريب، غير أنه يوجد مخاوف تكتنف الدولار مما جعل البنوك المركزية توازن بين عملاتها للتحوط والتنوع.
فى الشأن ذاته، قال الدكتور محمد بدرة الخبير المصرفى، إن اتجاه البنوك المركزية العالمية لشراء الذهب بكميات كبيرة فى الفترة الأخيرة يعد إجراءً وقائيًا وأنه الملاذ الآمن للاحتياطيات النقدية، لاسيما أنه فى ظل التوترات الجيوسياسية فى المنطقة تلجأ بعض الدول إلى تجميد أرصدة الدول الأخرى لديها.
ويعد تجميد الأصول أداة ضغط سياسى واقتصادى، أو فى إطار عقوبات دولية، ومن بين الأرصدة المجمدة، تجميد الاحتياطيات الروسية الذى كان بمثابة نقطة تحول رئيسية فالذهب المخزن محليًا لا يتعرض لمخاطر الأطراف المقابلة ولا يخضع للعقوبات.
وكذلك أرصدة ليبيا، وأرصدة إيران، وتُقدر قيمة الأصول الإيرانية المجمدة فى حسابات دولية بما يتراوح بين 100 و120 مليار دولار، ويختلف سياق التجميد بين قرارات دولية (مثل ليبيا) أو عقوبات ثنائية (مثل إيران) أو إجراءات إدارية محلية.
وأضاف بدرة أن روسيا بدأت فى هذا الاتجاه تلاها إيران وتركيا والصين التى بدأت ببيع أذون الخزانة الأمريكية وشراء الذهب ثم بدأت البنوك المركزية الأخرى مثل الهند وغيرها، مشيرا إلى أنه فى السابق كانت البنوك المركزية تلجأ إلى أذون الخزانة والسندات الأمريكية كملاذ آمن ولكن بعد التغيرات الجيوسياسية بدأت البنوك تتجه للذهب بقوة كملاذ آمن.
ورغم تباطؤ مشتريات البنوك المركزية فى 2025 مقارنة بالسنوات السابقة التى تجاوزت 1000 طن سنويًا، فإن الطلب الرسمى مازال قويًا. فقد ارتفعت الاحتياطيات بنحو 863 طنًا خلال 2025، بينما بلغ الطلب فى الربع الأول من العام الحالى حوالى 244 طنًا.
من جهته، أفاد الدكتور رشدى صالح الخبير المصرفى بأن معظم البنوك المركزية تشترى كميات كبيرة من الذهب بسبب الاضطرابات والمشاكل فى الأسواق العالمية، منها عدم الاستقرار الاقتصادى، والحروب والأزمات العسكرية، حيث إن الحرب الروسية الأوكرانية مازالت قائمة فضلا عن التوترات بمنطقة الشرق الأوسط، مشيرا إلى أن مستقبل السياسة العالمية والاقتصاد الدولى غامض.
وأضاف أن البنوك المركزية تلجأ إلى الذهب لأنه أكثر الأصول استقرارا، وزيادة الطلب عليه لسهولة تسييله، وكذلك الارتفاعات السعرية له فى الفترة الأخيرة، كما أن الذهب يأتى فى مقدمة الأصول المقاومة للتضخم، حتى أن كثيرا من الافراد يلجأون إليه لأن سعره إن لم يكن فى تزايد فهو على الأقل مستقر، وفى حالة الأزمات يمكنها بيعه وتسييله.
وأضاف أن البنك المركزى المصرى بدأ التوسع فى شراء كميات كبيرة من الذهب لأن له استخدامات عديدة كغطاء نقدى، ويسخدم فى الصناعات الإلكترونية، وبعض المعادن الأخرى ذات درجة نقاء عالية وغير قابل للصدأ وغير قابل للتآكل، ويحتفظ بقيمته، مشيرا إلى أنه فى ظل النظرية الكلاسيكية القديمة “نظرية كمية النقود”، كان لايتم طبع النقود إلا فى وجود غطاء من الذهب مقابل لها، وفى الأصل النقود كانت تصنع من الذهب والعملات المساعدة كانت تصنع من الفضة.
وبعد الحرب العالمية الثانية، تم تأسيس النظام النقدى العالمى، حيث تم ربط عملات العالم بالدولار الأمريكى الذى كان مدعوماً بالذهب، وجرى اعتماد نظام أسعار صرف ثابتة، حيث تم ربط الدولار الأمريكى بالذهب بقيمة 35 دولار للأوقية وربط باقى العملات بالدولار، واتجه كثير من دول أوروبا بالاحتفاظ بالدولار لأنه مثل الذهب، إلى أن جاء ريتشارد نيكسون فى عام 1972 وألغى تحويل الدولار إلى ذهب، وفصل بين العملة والغطاء النقدى لها، وفى معظم الدول حاليا يوجد فصل بين العملة والذهب كنقد، وأصبح الضامن لاستقرار العملة هو الإنتاج، وقدرة الدولة الاقتصادية على التصدير، واستقرار الاقتصاد والاستقرار السياسى.

Related Articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *