محمد فاروق
تتجه أنظار العالم كل أربع سنوات نحو حدث واحد ضخم وهو بطولة كأس العالم لكرة القدم التى تعد الأهم والأكثر متابعة من جميع شعوب العالم باختلاف توجهاتهم وثقافاتهم ولغاتهم.
وفى الحادى عشر من يونيه الجارى، انطلقت النسخة الثالثة والعشرين من مونديال كأس العالم، ومن المقرر أن تكون المباراة النهائية فى 19 يوليو المقبل. وتستضيف البطولة 16 مدينة موزعة فى ثلاث دول فى أمريكا الشمالية؛ 11 مدينة فى أمريكا، و3 مدن فى المكسيك، ومدينتان فى كندا.
وتعتبر هذه النسخة هى أول بطولة كأس عالم تقام بتنظيم مشترك بين ثلاث دول، كما تعد الأولى التى تشهد مشاركة 48 منتخبا، بعد أن كانت 32 منتخبا فى النسخة السابقة، و13 منتخبا فقط فى أول بطولة أقيمت فى أوروجواى عام 1930.
وإذا نظرنا للبطولة من الناحية الاقتصادية، فسنجد أن ما يمارس خارج الملاعب هو الأولى والأجدر بالمتابعة. فالاتحاد الدولى لكرة القدم “فيفا” من المتوقع أن يحقق إيرادات هى الأعلى فى تاريخه بنحو 13 مليار دولار “خلال الفترة من 2023 إلى 2026″، منها نحو 8.9 مليار دولار مباشرة من بطولة كأس العالم 2026 وحدها، مع العلم بأن مونديال قطر 2022 حقق 7 مليارات دولار فقط.
وتتوزع هذه الإيرادات بين حقوق بث المباريات من شبكات تلفزيونية ومنصات بث رقمى بأكثر من 4 مليارات دولار، والتذاكر والضيافة بما يفوق 3 مليارات دولار، والرعايات التى من المتوقع أن تحقق نحو 2.5 مليار دولار، وحقوق الترخيص بنحو 700 مليون دولار، إلى جانب إيرادات أخرى كثيرة متنوعة.
وبالنسبة للجوائز والمنح المقدمة للمنتخبات المشاركة، فتبلغ 871 مليون دولار، ويضمن كل منتخب الحصول على 2.5 مليون دولار بدل تحضير و10 ملايين دولار مكافأة تأهل، بحد أدنى للعائد يبلغ 12.5 مليون دولار. وتحصل الدولة الفائزة بكأس العالم على مكافأة بمبلغ 50 مليون دولار.
وفى مقابل الأرباح الطائلة التى ستجنيها “فيفا”، فإن المدن المضيفة فى الدول الثلاث “أمريكا وكندا والمكسيك” ستتحمل تكاليف التجهيز والبنية التحتية والتنظيم والاستضافة وغيرها بما يقدر بنحو 14 مليار دولار. لكن هناك تقارير تشير إلى أن المونديال سيضخ من 30 إلى 40 مليار دولار فى إجمالى النشاط الاقتصادى المباشر وغير المباشر فى دول الاستضافة.
والسؤال الأهم هنا: “فيفا” هى منظمة غير ربحية، فكيف لمنظمة لا تهدف للربح أن تحقق من بطولة واحدة كل هذه المليارات الضخمة؟
وحتى لو وجهت “فيفا” جزءا من إيراداتها لتطوير كرة القدم فى العالم، فستبقى الفجوة ضخمة جدا بين الدخل والنفقات.
فبالتأكيد المبالغ الضخمة “المعلنة” توضح لنا أن لعبة كرة القدم لا تمارس داخل المستطيل الأخضر، بل خارجه، وأن ما نشاهده داخل الملاعب ليس سوى جزء بسيط من اللعبة أما الجزء الأكبر المؤثر فيدار خلف الكواليس، وأن المشجع “الغلبان” واللاعب والمدرب وأطراف اللعبة الحقيقيين هم مجرد تروس تدار داخل هذه اللعبة، والرابح الأكبر يجلس ويراقب ويضحك من بعيد على كل هؤلاء.
ومن هنا تأتى صناعة اللاعبين الذين صاروا ألمع من نجوم السينما، والمبالغ الطائلة التى يتلقونها ولا نعلم لماذا، والدعاية الضخمة لهؤلاء اللاعبين، والمراهنات ومدى تأثيرها على النتائج، والاستحواذ على تفكير الجماهير من خلال الأخبار المكثفة عن كرة القدم والفرق وانتقالات اللاعبين على كافة المنصات.. والبرامج الرياضية التى لا حصر لها بمختلف وسائل الإعلام، والهيمنة على تفكير الشباب حتى فى وقت عدم متابعتهم للمباريات وذلك من خلال لعبة “فيفا” على البلاى ستيشن.
إنها دائرة واسعة تدار بمنتهى الحرفية والإحكام من أجل السيطرة على وجدان شعوب العالم وتفكيرهم.




